لقاءات 0 2287

ابراهيم الجعفري :ليست كلَّ أطراف التحالف الوطني مُتحِدة في تسنم المالكي ولاية ثالثة

img
التقت قناة الميادين الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس التحالف الوطني وسالته...... س:نشهد اليوم حالة من القتال في العراق، فهناك حملة عسكرية على منطقة الأنبار على المجموعات المُسلّحة هناك. كيف ينظر السيِّد إبراهيم الجعفريّ إلى هذا الموضوع؟ الجعفريّ: عندما تعاني الدولة من وجود بُؤَر إرهابية تتحدّى بشكل فاضح، وصريح تُكشِّر عن أنيابها، وتُمارس القتل بشكل مُتميِّز فمن الطبيعيّ أن يكون ردُّ الفعل هو أن تصون الدولة سيادتها، وتحفظ كرامة أبنائها وبناتها، وتُحرِّرها من هذه الشرذمة بخاصة أنَّ العدد الكبير منهم قد وفدوا من الخارج العراقيّ، وليسوا عراقيين، وفيهم عراقيون. العمليات العسكرية ردُّ فعل، وردُّ الفعل لم يبدأ بالعراق، ولم ينتهِ بالعراق. ـ يُقال: إنَّ هناك بيئة حاضنة لهؤلاء في تلك المناطق؟ الجعفريّ: هم كالمرض، فكلُّ فايروس وكلُّ بكتيريا تنشأ، وتترعرع في بيئة مُعيَّنة. الإرهاب لم يبدأ بالعراق، ولم ينتهِ بالعراق، الإرهاب الحديث بدأ في أميركا في واشنطن ونيويورك، وانتقل إلى أوروبا، ومن أوروبا جاء إلى مصر، والسودان، وسورية، وباكستان، وجاء إلى العراق، فهو مُعولَم، وأخلاقيته أخلاقية مُعولَمة، والصراع معه ليس صراعاً بين أقاليم أو شرائح مُعيّنة إنما هو عُقدة إجرام، وثقافة حصار تجعل الإنسان يغسل دماغه، وعقله، فيتصوَّر أنه ليس أمامه إلا القتل. فعلى الدولة أن تحمي مواطنيها، وليس لها إلا العسكر؛ لأنَّ أمامك إرهاباً مُسلّحاً يستخدم كلَّ الطرق، ويستبيح كلَّ الكرامات، ويهدر الدم بلا حدود، ومن الطبيعيِّ أن تردَّ عسكرياً. ـ لكن يتمُّ إظهار هذه المعارك، وهذه الحملة على أنها نوع من الصراع الطائفيّ؟ الجعفريّ: يحاول البعض ممّن يُهندِسون لأصل الإرهاب عسكرياً، وأمنياً، وإعلامياً، وسياسياً أن يُضفوا عليه طابعاً طائفياً، ولكنَّ الوقائع دحضت دعاواهم، وإلا بماذا نُفسِّر أنّ الشهيد مُحمّد الكرويّ رجل عسكريّ من ديالى وهو من الإخوة السُنّة، وبماذا نُفسِّر أنَّ وزير الدفاع العراقيّ الدكتور سعدون الدليميّ وهو أيضاً من الإخوة السُنّة، وبماذا نُفسِّر عندما أصبح أبناء الأنبار وهم سُنّة بين فكّي الكمّاشة وجاؤوا إلى كربلاء الشيعية، وفتح الكربلائيون صدورهم لاحتضانهم. فأين الطائفية؟! أعتقد أنَّ هذه صورة أبلغ من أيِّ مُقابَلة تلفزيونية، وأبلغ من أيِّ تحليل سياسيٍّ، وأبلغ من أيِّ دراسة استراتيجية. القضية في العمق ليست قضية سُنيّ ضدّ شيعيّ، أو شيعيّ ضدّ سُنيّ إنما قضية إرهابيّ ضدّ مُواطِن عراقيّ، وهذا لم يقف عند حدود المسلمين سُنّة ًأو شيعة إنما تعدّاه إلى المسيح حين اعتدى الإرهابيون على كنيسة النجاة وغيرهم من أبناء الديانات الأخرى؛ إذن إضفاء الطابع الطائفيِّ على العمليات الأمنية التي تُجريها القوات العراقية عارٍ عن الصحة. ـ الإشكال هو إنَّ المنطقة سُنّية بالشكل الرئيس، ورئيس الوزراء الذي يقود هذه الحملة شيعيّ، فجرى إظهار المشهد على أنه طائفيّ، ورُبَّما اقتنع به البعض؟ الجعفريّ: على مَن اقتنع أن يتكلّم بالدليل، ونُسامِحه، ونحن نضعه أمام الأدلة، وعليه أن يُبادِل تسامحنا. أمَّا الدليل القويّ فهو ما جرى في كردستان، هل بالضرورة أن يكون من قام بعمل إرهابيّ هناك هو من الآخر القوميّ إمّا تركمانيّ أو عربيّ؟ هذا اختزال. المسألة مسألة فكر إرهابيّ مُؤدلَج يستهدف الإنسان أينما سواء أكان مقرَّ أيِّ حزب، أو مستشفى، أو مدرسة أو ما شاكل ذلك. نحن أمام إرهاب دوليّ لم يبدأ بالعراق، ولم ينتهِ بالعراق، ومن غير الصحيح أن نسمح لأعدائنا الذين يتستّرون، ويتخندقون تحت اسم الطائفية، وهم في الحلقات الأخيرة ينوون إيجاد فتنة طائفية بين السُنّة والشيعة، الشعب المُتعايش، والمُتصاهِر، ويقلبون المُعادَلة إلى قطيعة. ـ لاشكَّ أنَّ هنالك اتهامات بتورُّط جهات إقليمية في هذا الموضوع بشكل عامّ. هل تُوافِقون على هذا الكلام؟ الجعفريّ: لا يُراد لهذه القضية مِجهَر، فهي واضحة جداً، وإذا فكَّكنا مُركّب الإرهاب فالشباب الذين جُنـِّدوا من مُختلِف الأقاليم، ومراكز التدريب في دول مُعيّنة، والمال الذي يُدعَم به الإرهاب من دول مُعيّنة، والخطاب المنبريّ، وفقه الإرهاب الذي يُوجِّج المشاعر، ويُوجِّه نحو القتال، والتفجير كلّها واضحة، وتنتمي إلى بلدان غير العراق، وهذا ليس سِرّاً على أحد، وبعض الإرهابيين الذينّ أُلقِي القبض عليهم ينتمون إلى بلدان مُختلِفة. ـ أحياناً ينتمون إلى بلدان مُختلِفة، ورُبَّما بعض الدول المجاورة على الرغم من أنَّ بعض هذه البلدان عانت في فترة مُعيّنة من هذه الظاهرة؟ الجعفريّ: من غير الصحيح أن نعبر من المُواطِن إلى الدولة. هناك دول تُخطّط، وتُموِّل، وتسمح بوجود فكر يدفع باتجاه الإرهاب، وإذا أردنا أن ننظر إلى الإرهاب كمُركّب، وننتقل من الظاهرة التي تطفو على السطح إلى البُنية التحتية فهناك دول مُتورِّطة في دفع الأموال. ـ هناك أسباب أدّت إلى ما يحدث اليوم تتحمّل مسؤوليتها الحكومة العراقية، والطبقة السياسية تحديداً، فعندما نتحدّث عن تجربة الصحوات التي كانت فاعلة في العراق بين 2007و 2009، ولكنها أهمِلت فيما بعد، وأهمل الذين كانوا يشاركون في هذا العمل إلى درجة أنهم فقدوا الإيمان بالدولة، وفقدوا الإيمان بمُواطَنتهم. ما حقيقة هذا الكلام؟ الجعفريّ: قد تكون هناك عوامل ثانوية تصنع بشكل أو بآخر مناخاً لهذا التصعيد، والتشنّج، لكنّ هذا ليس سبباً حقيقياً، فالآن أهالي وعشائر الأنبار والعشائر الأخرى في المناطق الأخرى ظلّت على موقفها الداعم للحكومة، أو المُنسجِم مع الحكومة، وحتى عندما تكون عندها مطالب مشروعة، وتختلف مع الحكومة تُعبِّر بطرق حضارية وديمقراطية. ـ هل تشعرون بتعاطف العشائر، وبالخطر الذي يشعرون به؟ الجعفريّ: بكلِّ تأكيد أنا أعرف أنَّ العشائر كانت تُناشِد الأخ رئيس الوزراء، وتستنهضه ليُخلّصهم من هذا الكابوس الجاثم عليهم، أتذكّر حصل في 2005 في تلعفر بعثوا برسالة مُوقّعة من 26 رئيس قبيلة، وصادَف أن يكون 13 سنياً و13 شيعياً، وكان على إثرها عملية عسكرية، فمن غير الصيحح أن نعتقد أنَّ الحكومة طرف إنما الحكومة بما هي حكومة تمثل الحالة الوطنية الشاملة لكلِّ المُواطِنين. ـ وصلنا إلى مرحلة لم يُعرَف الصحُّ من الخطأ فليس هناك من قاعدة واضحة، وهناك من يعتقد أنَّ الحكومة خارجة عن القانون، والخارجون عن القانون هم حكومة أيضاً؟ الجعفريّ: يُوجَد إعلام حقيقيّ، ويُوجَد إعلام مُغرِض. هناك الكثير من الفضائيات خطابها مُزدوَج بشكل صريح، وليست حيادية، فبعض الأحيان أحداث تهزُّ العالم كلّه، ويرتجف منها، ويرتعب منها تجد فضائية أخذت حجم الإمبراطورية الإعلامية كأنَّ شيئاً لم يكن؛ لموقف سياسيّ، وأحياناً تُسلّط الضوء على جزئيات، وتعمل بمبدأ التكرار، فتُضخِّم بها، وهذا ليس معنا فقط، ولا في العراق فقط. الإعلام العربيّ -للأسف الشديد- يُعاني من ازدواجية فاضحة يُسمِّي القتيل العراقيّ قتيلاً عراقياً، بينما يُسمّي القتيل في مكان آخر شهيداً. ما ذنب الطفل، وما ذنب المرأة؟ لماذا يُرفَض الإرهاب على لسان فضائية ما عندما يكون في دولة مُعيَّنة، والإرهاب في العراق يُعبَّر عنه بأنه مُقاومَة؟ ـ هذا في مرحلة ما قبل خروج الأميركان فلرُبَّما كان يختلط الأمر بشكل أو بآخر على بعض وسائل الإعلام؟ الجعفريّ: حتى المُقاوَمة التي تُقاوِم في العراق كانت تُميِّز -بغضِّ النظر عن موقفنا منها- في أدائها، ونمطية تعامُلها بين أن تستهدف قواعد أجنبية وبين استهداف المدنيين، المُقاوَمة الحقيقية والوطنية لا يُشرِّفها أن تنتهك حرمة امرأة، أو رجل، أو طفل، أو مدرسة، أو مسجد، أو معبد. فما ذنب المُشاة إلى كربلاء، وما وجه المُقاوَمة في قتلهم، إذا وضعنا أيدينا على شيء، وسمَّينا الأشياء بأسمائها، وقلنا: هناك تكفيرية، فالتكفيريّ هو الذي يُقرِّر، وهو الذي يُنفّذ. ثم مَن الذي خوَّله بأن يحكم على غيره بالكفر، والقاعدة الشرعية التي اتفقت عليها المذاهب (من كفر مُسلِماً فعليه كفارة) ما هي أكبر شهادة على سفاهة هذا المنطق حين يُقتَل 36 طفلاً بريئاً في عمر الورود أكبرهم كان عمره 11 سنة في عام 2006 يلعبون في مُتنزَّه. هذا منطق مفلوج. الآن دول العالم كلّه على محكِّ الاختبار يجب أن تُشمِّر عن ساعد الجدّ، وتُبرهِن على نزاهتها، وإلا فهي في قفص الاتهام، ويجب أن تُعبِّر عن رفضها. قلتُ هذه الكلمة في 2004 والآن أعيدها من خلال قناتكم: الإرهاب لا دين له، ولا مذهب له، ولا وطن له. ـ الآن نحن أمام حرب عالمية بشكل رسميّ؟ الجعفريّ: هذا واقع، فأنت عندما تدخل أيَّ سوق، أو مستشفى، أو أيِّ مسجد، أو حسينية، أو كنيسة توقّع أن يتفجّر. ـ هنالك معارك في مُعظَم الدول العربية بين مجموعات تحمل هذه الأفكار، وبين الأنظمة، واختلطت الأمور بشكل كبير في العراق حتى وصلت إلى مرحلة خطيرة. أليس هناك من طريقة للخروج من هذا النفق المُظلِم؟ الجعفريّ: إذا كنتَ تتكلّم عن للعراق فهو سائر في طريق الديمقراطية، لا أقول وصل إلى محطة النضج، لكن في طريقه إلى الديمقراطية. مواسم الانتخابات، واحترام المُكوِّنات العراقية، والمُشارَكة الفعلية والحقيقية في البرلمان، وفي الحكومة، وحرية التعبير عن الرأي، وإقحام المرأة في البرلمان، وفي المواقع السياسية المختلفة دليل على أنَّ العراق ماضٍ على طريق الديمقراطية. ـ بالنسبة إلى مَن يقاتل على الأرض، ومَن يحمل لواء التكفير لا يعترف بالانتخابات؟ الجعفريّ: هو لا يعترف بكلِّ الأنظمة في العالم، والإسلام ممسوخ في رأسه، ويُريد أن يُطبِّقه، ويُنزِله على كلِّ دول العالم، ويعتبر كلَّ دول العالم كافرة. ـ نحن نتكلّم عن حلِّ هذه المُشكِلة مع الطرف الآخر. لابدَّ أن يكون هناك طريقة ما لوقف هذا المسلسل، وهذه الدماء المُستمِرّة؟ الجعفريّ: لنرجع مرة أخرى إلى المُركَّب الإرهابيّ، ونضع المُعادِل. يُوجَد مجموعة طائشة ابتُليت بجنون الانتحار، وفهمت الإسلام بشكل ممسوخ، فأصبحت بضاعة بيد تجار الإرهاب، ومَن يقف حولهم في الغُرَف المُظلِمة يتاجر بهم على نظرية (اجعل المنطقة مُحترِقة حتى أوفر الاستقرار النسبيّ لي). لابدَّ أن تكون الآلية التي تُواجِه هذه هو الأمن والمخابرات قبل العسكر. ـ نجح هذا الأمر نسبياً في أوروبا وأميركا بشكل أو بآخر؟ الجعفريّ: كان ردُّ الفعل في أميركا في أحداث 11/ سبتمبر عام 2001 أن شكَّلوا وزارة جديدة اسمها (وزارة الأمن)، وأعطوها صلاحيات مُطلَقة، وعرَّضوا المواطنين إلى التفتيش بشكل ما كان يخطر في بالهم في يوم من الأيام. تُوجَد ثقافة إرهاب يجب أن نضع مُعادِل ثقافة الإصلاح والانسجام فمن يُحاول أن يعبث بالتعايش المذهبيّ ليُحوِّله إلى تنافر طائفيّ يجب أن يكون هناك مُعادِل في الإعلام، والسياسة، والمدارس، والتربية، والأندية المُختلِفة، ومُؤسَّسات المُجتمَع المدنيِّ، ويجب معالجة البطالة بتوفير فرص للعمل، وتفويت الفرصة على الذين يُجنّدون الشباب؛ لتحقيق مآرب آنية، ولا يُدرِكون أبعادها الاستثنائية. وهنالك مظالم، وهنالك من يُضخِّم المظلوم بطريقة الانتقام، لا بطريقة رفع الظلم والحلّ. ـ كيف هي علاقتكم بالسيِّد رئيس الوزراء؟ الجعفريّ: على المُستوى الشخصيّ نحن صديقان منذ زمن بعيد، وعلى المُستوى التاريخيّ فنحن في حركة واحدة والتي هي حزب الدعوة الإسلامية عندما كنتُ فيه، والآنَ العلاقة مُستمِرّة ومُتعاطِفة بيني وبينه، ولكني أنتقل في علاقتي بكلِّ مُتصدٍّ من العقد العاطفيِّ -إذا كانت لي علاقة شخصية- إلى العقد الدستوريِّ والعقد القانونيِّ، وعقد الشعور بالمسؤولية بأن أتعاطف، وأساعد كلَّ مَن يملأ موقعاً ما. ـ مادامت العلاقة جيِّدة فلماذا حصل الافتراق قبل سنوات حين خرجتَ من حزب الدعوة، وأسَّست تيّار الإصلاح؟ الجعفريّ: لم أخرج من حزب الدعوة؛ لخصومة شخصية بيني وبين المالكيّ. ـ بشكل عامّ هناك شيء ما استطعت أن تُصلِح، فذهبتَ إلى تأسيس تيار الإصلاح؟ الجعفريّ: وجدت شيئاً مُعيَّناً مُتراكِماً، ورأيته كيف تبلور في المُؤتمَر في ذلك الوقت الذي حصل، وأوقفتُ العلاقة، وليس في حينها شكّلت تيار الإصلاح، إنما أخذتُ فترة قرابة السنة بعد ذلك تبانى مجموعة من الإخوان على أن نخرج بكتلة جديدة، وتعمَّدت أن لا أستعمل صفة الدعوة، أو اسم الدعوة، أو الإسلامية، أو حتى كلمة حزب؛ لأنَّ مفهوم تيار الإصلاح الوطنيِّ يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الأحداث، والشريحة التي أنوي مُخاطَبتها، والتي تنسجم مع فكري وتاريخي، وفي الوقت نفسه أتحاشى أن أتحوَّل إلى رقم انشقاقيٍّ سلبيٍّ؛ فأنا أعتقد أنَّ الانشقاقات ظاهرة ليست طيِّبة، ولا يُشرِّفني ذلك. ـ ألا تعتبر نفسك مُنشَقّاً عن الدعوة، أنت حتى الآن دعويّ، لكن في الوقت ذاته رئيس تيار الإصلاح الوطنيّ؟ الجعفريّ: أنا دعويّ إلى مُخّ العظم كداعية للإسلام الذي داعيته الأكبر رسول الله -صلى الله عليه وآله- مصداقاً لقول الله تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: 125] أمّا بالمعنى الحركيِّ والتنظيميِّ فيُوجَد مصطلحات في الدعوة، يُوجَد حزب، ويُوجَد تنظيم، ويُوجَد حركة، ويُوجَد تيّار دعوة، لا أختلف في ذلك وعندي كُتُب في تنظيم الدعوة، وحزب الدعوة، وحركة الدعوة، وتيَّار الدعوة، لكني أعتقد أنه لا تناقض بين أن أعيش فكر السيِّد الصدر سواء في خارج الدعوة أم في داخلها. كثير من الذين خرجوا من تنظيم الدعوة لم يتنصَّلوا من فكر الدعوة، ويلتقون مع الدعوة بالفكر وفي الوقت نفسه تاريخ الشهداء الذي ارتبط اسمي معهم، وهم معي عدد ليس بقليل أعرفهم كما أعرف نفسي، وأعتزّ بهم، وأتشرَّف بهم، أمَّا الاختلاف الأخير فأنا قد مارستُ الاختلاف بطريقة دعوية، ونأيت بنفسي عن أيِّ ابتزاز للآخرين. ـ الانتخابات على الأبواب والحديث عن معركة انتخابية داخلية قوية جداً في العراق، وهناك كلام عن معركة خارجية، ودفع أموال من الخارج لأهمّية العراق على الصعيد الإقليميّ. كيف تنظر إلى هذا الاستحقاق القادم؟ الجعفريّ: لا أتمنّى أن تكون الانتخابات معركة، لكن أتفق معك رُبَّما بعض الحركات أو بعض الأشخاص يفهمونها بأنها معركة، أنا أفهمها عملية تنافس قرآنيّ: ((خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)) [المطففين: 26] حين نفهم الانتخابات على أنها تنافس قرآنيّ ستكون مظهراً حضارياً، ومُمارَسة ديمقراطية جذورها الإسلام والقِيَم الدينية. ـ كيف يستعدّ تياركم لهذه الانتخابات، هل تطمحون إلى كتلة أكبر؟ الجعفريّ: لا يُوجَد سياسيّ لا يُريد أن يأخذ حجماً سياسياً أكبر، لكنَّ أنظمة الانتخابات البائسة، وأخلاقية بعض الكتل السياسية تجعل هذه المُفارَقات التي حصلت، فهناك كتلة حصلت على 65 ألف صوت جاءت إلى البرلمان بحجم تجاوز 10 مقاعد، ونحن جئنا بـ(220 ألف صوت) وأنا وحدي حصلت على (110 آلاف صوت)، ولم نكن إلا مقعداً واحداً. إذا تكلّمنا بالديمقراطية، ومعناها أن تتجسَّد الحجوم الاجتماعية في الحجوم والهيكليات والبنى الفوقية فالمفروض أنَّ الكيان الكبير اجتماعياً يأخذ حجماً كبيراً في الحكومة، وفي البرلمان هذا عندما تكون أنظمة سليمة، أو عندما تكون هناك أطراف تتمتع بأخلاقية عالية، أمّا الذي وجدنا -مع احترامي للجيِّدين- فليس بهذا الشكل، تحوَّلت إلى بورصة تحوير، وتزييف، وتقاتل على كلِّ الفرص، وهناك مَن يُريد أن يتمتع بحقّ مُضاف إلى حقه، ويستلب الآخرين حقَّهم. ـ عندما تبدأ الانتخابات، وتنتهي سيكون هنالك صراع على موضوع رئاسة الوزراء. هناك كلام أنَّ الرئيس المالكي يُريد ولاية ثالثة، وكلام آخر أنَّ هناك مُكوِّنات أخرى في العراق ترفض أن تكون للمالكيّ ولاية ثالثة؟ الجعفريّ: لا أحد يقول: إنَّ كلَّ الأطراف العراقية، أو كلَّ أطراف التحالف الوطني مُتحِدة في الرؤية، وإذا أراد دورة ثالثة ليس هناك ما يُدينه دستورياً؛ لأنَّ الدستور لم يقُلْ لا يجوز لرئيس الوزراء أن يتجاوز الدورة الثانية، نعم.. هناك وجهات نظر مُنتشِرة في أكثر من كتلة، وأكثر من قائمة، وأكثر من طائفة لا يجدون مصلحة أن يستمرَّ في دورة ثالثة، ولكنَّ هذا لا يُشكّل بالنسبة إليه موقف إدانة، والذين لا يُريدونه لدورة ثالثة فليُصوِّتوا على عدم فوزه. ـ هل ستدعمه لولاية ثالثة؟ الجعفريّ: أنا أدعم كلَّ مَن يأتي، وقد دعمتُ كلَّ مَن جاء. أنا دعمتُ الدكتور إياد علاوي في رئاسة الوزراء عندما كنتُ عضواً في رئاسة الجمهورية، وكنتُ أكثرهم إيجابية لا لشي إلّا لحفظ سفينة البلد، وسفينة الحكومة بأن لا تسقط. سأبقى حليفاً استراتيجياً مع كلِّ مَن يتصدَّى للمواقع، ولا يمنع أن تكون عندي مُلاحَظات أصارحه بالسِرِّ، وأدافع عنه بالحقِّ في العلن. لا أتناقض بالمُلاحَظات التي أجدها، ولا تخونني الشجاعة أن أقول له عليك مُلاحَظات. ـ هل أنت مُرشَّح لرئاسة الوزراء؟ الجعفريّ: الذي يشغلني الآن هو كيفية حفظ السفينة العراقية، أنا أشعر أنَّ السفينة الوطنية العراقية تكبر في جوٍّ مُتلاطِم وعاصف برياح مُختلِفة. فالطفل العراقيّ يُقتَل، وننظر إلى الإعلام والدول لا تتعامل معه بمروءة وحياء، بينما هنالك مجرم يُقتَل يقال عنه شهيد. لا تعرف هذا القياس المُزدوَج، وهذا الهوس الموجود والهستيريا. إذا كان العراق مُستهدَفاً، ويُراد لتجربته أن تسقط فأنا أنظر إلى أنَّ واجبي هو حفظ السفينة، ويُوجَد غيري لديه الشعور نفس الشعور، ويُوجَد قسم آخر همُّه زيادة عدد أعضاء البرلمان فقط؛ ليُحرِز أكبر عدد من الحقائب الوزارية، وليس هذا عملاً غير وطنيّ، ولا أتهمه، لكن يهمُّني هو الحفاظ على نظام العراق الجديد من السقوط. ـ كيف هي علاقتكم اليوم بإياد علاوي؟ الجعفريّ: تُوجَد بيني وبينه علاقة، وتُوجَد نقاط خلاف، لكنَّ نقاط الخلاف تدعو للحوار، ولا تُسوِّغ للقطيعة والاحتراب بيني وبينه. هو يختلف معي، وأنا أختلف معه، لكن لم يُشكّل الخلاف عملية هجوم مُتبادَل، ولم أسمح لنفسي أن أتحوَّل إلى مُعادٍ، ومُشاكِس، وهو لم يسمح لنفسه أن يكون مُعادِياً، نعم.. هو يتنافس، ويُريد أن يحقق طموحه، وهذا حقه، وأنا من خلال التحالف الوطنيّ أكرِّس كلَّ وقتي له، وأشعر أنَّ التحالف الوطنيَّ هو الضمانة الوطنية العراقية لأن نجعل الكتلة الأكبر في المُجتمَع تتمثل على شكل كتلة أكبر في البرلمان، ثم تُوصِلنا إلى الحكومة بشرط أن تمدَّ الجسور، ولا تعيش عُقدة الانطواء على الذات، أو الاعتداء على الآخرين، فنمدُّ الجسور مع الأطراف الكردية، والأطراف السُنّيّة، وتحتضن، وترعى الكُتَل غير المُسلِمة. ـ هناك اليوم حالة من التوتر بين أربيل وبين بغداد، وهناك نوع من التمايز في المواقف، ودخول على الخط من قبل دول خارجية تحاول أن تدقَّ إسفيناً بين العاصمة المركزية وأربيل؟ الجعفريّ: هذه ليست سِرّاً على أحد أي إنَّ القضية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، أعتقد أنَّه مادامت كلَّ هذه الخلافات تقوم على قاعدة جماهيرية استراتيجية بين الكرد وبين العرب والتركمان أعتقد أنها قابلة للحلّ. لا تُوجَد مُشكِلة، لكن حصل مُؤخّراً بعض المُفارَقات، وطُرِحت على لسان الإخوة المسؤولين في الحقل النفطيّ سواء كان نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، أو وزير النفط بأنَّ هناك مُفارَقات، وكان هناك عتب مُتبادَل، وأمل أن تُحَلَّ هذه العملية. وتركيا كدولة إقليمية -وهم أصدقاؤنا- ينبغي عليها إذا أرادت أن تدخل البوّابة الاقتصادية للعراق أن تُنسِّق حتى في مجال الاستثمار النفطيّ مع الحكومة الاتحادية، ونحن عندما ننفتح على تركيا وأيِّ دولة مُجاورة لا نخرق دستور تلك الدولة، إنما نتعامل مع ذلك الدستور. يجب أن يُعاد النظر، ونتعاطى مع هذه القضية بشكل عقلانيّ، ونحفظ الأخوّة، وأنا على ثقة أنَّ ما يربطنا بالرموز الكردية تاريخ من العلاقات منذ زمن المُعارَضة، وعبرنا من المُعارَضة إلى الحكومة، وليس من الصحيح أن تتعرَّض هذه العلاقة إلى حسابات مادّية مُعيّنة. ـ هناك أجواء عن علاقات جيِّدة مع إيران وفي الوقت ذاته علاقات جيِّدة مع الولايات المتحدة الأميركية، ولعلَّ العراق من الدول القليلة التي تُوازن بين العلاقات مع إيران والولايات المتحدة الأميركية. كيف حدث هذه التوازُن؟ الجعفريّ: العراق يخضع إلى استراتيجية العلاقات مع دول المنطقة، إلى الحوض الإقليميّ، وإلى الحوض الدوليّ العامّ، ولا تناقض بين أن تبني نظرية اقتصادية ونظرية سياسية في التعامل مع دول المنطقة مع اختلاف الأنظمة مادام لديك ثابت إقليميّ، ومُتغيِّر إقليميّ. الثابت الإقليميّ هو إننا نُريد أن نُبرِم علاقات مع دول الجوار، ويُوجَد مُتغيِّرات إقيليمة تختلف من إقليم إلى آخر سواء كان في الحقل الاقتصاديِّ من مَوارد طبيعية، وحيوية، وسواء كان في الحقل السياسيّ، أو الجانب الأمنيّ، لكنَّ العلاقات كأصل يجب أن تُقام، والأمر نفسه بالنسبة إلى دول ما بعد الجوار (منطقة الشرق الأوسط). ليس من مصلحتنا أن تكون هناك عدائية مع الآخرين بخاصة بعد أن رحلت القوات العسكرية الأميركية من العراق في نهاية 2011. ـ أنتم كنتم من المُعارضين للغزو الأميركيّ؟ الجعفريّ: بكلِّ تأكيد كنتُ مُعارِضاً وبضرس قاطع، ولستُ مُستحياً، وأرفض أيَّ حرب تُشَنُّ على بلدي رفضاً قاطعاً، ولا أظنُّ أنَّ الحرب تحقق أهدافاً لبلدي، وشعبي، وثروة البلد، وسيادته. أنا لا أؤمن بأسلوب الحرب، وأمّا الحروب التي شُنَّت على العراق فصدّام هو الذي ورَّط العراق بها في حرب الخليج الأولى، وحرب الخليج الثانية، وحرب الخليج الثالثة. نحن لدينا نظرية سياسية في التعامل مع هذه الدول، وليس من مصلحتنا أن نُشنِّج العلاقة مع أوروبا، أو عموم الغرب، وحتى أميركا، نعم.. قد نختلف مع الإدارات، لكننا لا نختلف مع الشعوب، وأعتقد أنَّ بادرة التقارب الأميركيّ - الإيرانيّ عندما تكون محسوبة استراتيجياً، وتُربَط بتاريخ أخلاقية إيران، وحاضرها، ومستقبلها أجده شيئاً جيِّداً. ـ هل لعب العراق دوراً ما في هذا التقارُب؟ الجعفريّ: نحن في التقارُب الأول منذ زمن كنا ندعو من عام 2005 و 2006، ونُسمِع الطرفين بأنَّ من مصلحتكما أن تتحاورا، والعراق أبدى رغبته، واستعداده لأن يُقرِّب بين الاثنين، وكان عندما يأتي السفراء الأميركان كنت أتحدّث معهم بكلِّ صراحة بأنَّه ليس من مصلحتكم العداء الإيرانيّ، وقلت لأحد السفراء الأميركان قبل مدة قصيرة: نعتقد أنكم تُسلّطون ضغوطاً، وتُشنّجون الأجواء، وتُهدِّدون بغلق الخليج أيام الأزمة التي حصلت. وهذا ينعكس علينا في العراق إذ نرتبط بعلاقة جوار مع إيران، ونئنُّ لأنينهم، ونفرح لفرحهم، كما نئنُّ لأنين تركيا، ونفرح لفرحهم، وكذا مع الكويت، والسعودية، والأردن، وسورية. هذا أمر يهمُّنا، لكنَّ الأمر الآخر وهو إنَّ أيَّ توتر دوليّ أو إقليميّ سرعان ما ينعكس علينا كدولة جوار؛ كما نعتقد أنَّ تحسين العلاقات يدرُّ عليهم موارد اقتصادية جديدة. نحن سألناهم: أنتم فرضتم حصاراً، ما الذي تتوقعون، ومِن مصلحة مَن؟ هذه القرارات التي اتُخِذت بعضها رئاسيّ، وبعضها كونكرس، وباراك أوباما بدأ الآن يُعيد النظر، والأمل معقود أن تصل القضية إلى ثقافة عندما تُحسِن الإدارة الأميركية التعامل مع الإدارة الحالية في الجمهورية الإسلامية. ـ في الوقت الذي نرى نوعاً من التقارب أو الليونة في التعاطي فيما بين الأميركان والإيرانيين نرى كثيراً من التصلّب بين العرب والإيرانيين بخاصة دول الخليج، وحالة من الصراع اللفظيّ؟ الجعفريّ: ليس سِرّاً على أحد أنَّ عرب الخليج، أو بعض عرب الخليج والإدارات تُحاول أن تجعل الخطر أو خطر إيران عليها أكثر من خطر إسرائيل، والسبب هو النعرة الطائفية أو العنصرية. ـ لكنَّ التناقض مع إسرائيل أكبر من التناقض مع إيران؟ الجعفريّ: هذا من وجهة نظر صاحب الرأي المُتجرِّد، وأمّا من يُريد أن يُمسِك السلطة من دون بإفراز اجتماعيّ ديمقراطيّ، ويتكّئ، ومضغوط عليه، فينظر بالعكس؛ لذا تجده يُطبِّل، وإلا كيف يسكت عن إسرائيل، ويُعادي مَن يُعادي إسرائيل التي هي الخطر الحقيقيّ! أقول بصراحة: هؤلاء مشتبهون، فالمُتفجِّرات والناس المُجنَّدون لمُمارَسة هذا التفجير كم واحداً منهم إيرانيّ، وأين فجَّروا، وكم خرقاً دستورياً، أو أممياً، أو دولياً، أو شرق أوسطيّ عملته إيران، وأنا لستُ إيرانياً إنما رجل عربيّ، ولا يُناقِشني أحد في عروبيتي، لكن ما الذي عملته إيران؟ ـ رُبَّما البعض يقول: إنَّ لدى إيران مشروعاً قديماً جداً يُحكى عنه منذ الدولة الصفوية على الرغم من التناقض بين الدولة الإسلامية والدولة الصفوية؟ الجعفريّ: هل كانت الدولة الصفوية تتعاطى مع الشعب الإيرانيّ بطريقة ديمقراطية، وهل كانت تحترم دول الجوار مثل ما هي الآن الجمهورية الإسلامية؟ هل الدولة الصفوية كانت تتعامل مع أبناء الطوائف كما تتعامل الآن الجمهورية الإسلامية؟ مَن الذي كشف النقاب عن نقاط الضعف في الدولة الصفوية أكثر من الدولة الحالية في إيران؟ ثم كم تحتاج الدولة الحالية في إيران لتبرهن أنها لا تمتّ لشيء اسمه الدولة الصفوية بصلة، ومنذ عام 1979 إلى اليوم مضت 35 سنة ألا تكفي تلك في البرهنة على الفرق الكبير بين الدولة الصفوية والدولة الحالية. ـ في لندن تسكن 150 جنسية، وتعيش معاً بشكل طبيعيّ، لكننا هنا في هذه المنطقة ثلاث أو أربع قوميات، ولا نعرف كيف نعيش؟ الجعفريّ: يُقال: إنَّ (لولا) عندما جاء من البرازيل إلى لبنان قال للرئيس اللبنانيّ: أنت تحكم أرض لبنان، وأنا شعب لبنان عندي. العالم اليوم اعتاد على التنوُّع، وعلى مُجتمَعات التنوُّع، وانطوت صفحة العنصرية إلى غير رجعة. العالم اليوم عالم انفتاح، والمُسلِمون الآن دخلوا إلى برلمانات العالم المُختلِفة. أعتقد أنَّ دول المنطقة تُعزِّز هذه الحالة؛ حتى تبقى ماسكة بالسلطة بقبضة حديدية، وتخشى الخطر. فمن جانب لديهم هاجس قوميّ ضدّ إيران باعتبار الخلفية الفارسية، ومن جانب لديهم الهاجس الطائفيّ ضدَّ الشيعة عموماً سواء كانوا فُرساً أو غير فُرس حتى يروق لهم أن يُسمُّوا التشيُّع بأنه فارسيّ. هذا شيء عجيب فإيران إلى ذلك اليوم في الزمن القصير في القرن السابع الهجريّ هي دولة سُنّية معروفة، ثم هل يحتاج الإمام علي بن أبي طالب مزيداً من الجهد حتى تعرف أنه عربيّ، وعاصمته كانت الكوفة، كما أنَّ إيران فيها عرب بحوالى مليونين نسمة في منطقة الجنوب. يجب أن لا نُبادِل العنصرية بعنصرية مُقابلة، أو الطائفية بطائفية. نحن نُريد إسلاماً فيه طوائف، ولا نُريد إسلاماً فيه طائفية. ـ وددتُ لو نُعرِّج على سورية، وما يحدث فيها في ظلِّ هذا الصراع المُتنامي وحمّام الدم المُستمِرّ.. هل ترى من حلّ؟ الجعفريّ: الحلّ - في تقديري- هو إعادة النظر في إدارة الاختلافات التي حصلت بين الطرفين (الحكومة، والقوى السياسية التي تختلف معها). الحكومة لها رصيد في الشارع، والمُراقِب الموضوعيّ لحركة الشعب التونسيّ، والمصريّ، والليبيّ، واليمنيّ تجدها شبه مُوحَّدة ضدَّ زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، لكنَّ حركة الشعب السوريِّ كانت مُنقسِمة، ونحن كدولة جوار مسؤوليتنا أن نُسند حركة الشعب، لكن عندما يكون هذا الشعب مُنقسِماً فلا نكون نُوّاباً عنه، ونحمله بالقوة باتجاه مُعيَّن، ونحارب القسم الآخر من نفس الشعب. هذا لا يجوز أبداً. أنا مع الشعب طالما كانت كلمة الشعب مُوحَّدة، أمّا إذا كان الشعب نفسه مُختلِفاً كما في البحرين وسورية فنحن مع الشعبين. أنا أتصوَّر أنَّ الحركة السورية عانت مما يلي: أولاً: تعسكرت بشكل بشع حيث القتل، وشقّ الصدر، واللعب بالرؤوس بالأقدام كأنها كرة قدم، أعتقد أنَّ هذه صور يتقزَّز منها الإنسان، ويندى لها الجبين حياءً وخجلاً. ثانياً: القضية السورية دُوِّلت، فالأرض سورية، وتعبث بها إرادات إقليمية. يُراد إعادة نظر في إدارة القضية. أنا لستُ مع هذا النوع من المُقاوَمة؛ المُقاوَمة شرف ووسام عظيم، نحن كنا مُقاوَمة ضدّ صدام، وأبارك، وأطبع على جبين كلِّ مُقاوَمة بشرط أن تلتزم بأخلاقية المُقاوَمة بأن تبتعد عن القتل، وتبتعد عن الطفولة البريئة، وتبتعد عن المرأة، ومن جانب آخر أوجِّه كلاماً للحكومة الحكومة بأنها يجب أن تنظر في مطالب هذا الشعب، وينبغي أن تنفتح على كلِّ القابليات بغضِّ النظر عن الخلفيات السياسية، وكذا عوامل التحريك الأخرى كإطلاق سراح معتقلين، وتعديلات دستورية، وطيّ صفحة الحزب الواحد، وإتاحة المزيد من الحريات للمُواطِنين، والمُشارَكة في أجهزة الدولة. أتصوَّر أنه تُوجَد إمكانية للحلّ، وفي الوقت نفسه لتُحدِّد مواعيد لخوض غمار الانتخابات؛ فكلُّ بلد تتكرَّر فيه فصول الانتخابات تتقلّص فيه المشاكل والانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والطائفية. يجب أن نعمد إلى أسلوب ديمقراطيّ، حيث الشعب يخرج إلى الشارع، وينتخب، ولا يحتاج أن يحمل السلاح؛ عندئذٍ سيستبدل القلم بالبندقية، أو الكلمة بالطلقة.