لقاءات 0 16705

اية الله الكرباسي: أطرح فكراً متجدداً ومتطوراً للحياة من خلال حضارة الإسلام

img
حاوره: كاظم ناصر السعدي
رجلٌ مولع بالمعرفة والثقافة والأدب .. هو فقيه مجتهد وباحث أكاديمي متمرس ومحقق بارع وشاعر متمكن و صاحب مشروع ثقافي ديني كبير أمضى ولايزال يمضي جُلَّ وقته في الدراسة والبحث والكتابة والتأليف في موضوعات التراث الإسلامي والفكر الديني وقضايا الأدب والشعر أسس في عام 2004 مركزاً للدراسات الحسينية في لندن وعكف منذ عام 1987م على كتابة دائرة المعارف الحسينية التي طبع منها لحد الآن سبع وسبعون مجلداً.إنه سماحة الشيخ الدكتور محمد صادق الكرباسي التقيناه في كربلاء حين عودته من بريطانيا لزيارة العتبات المقدسة فكان معه هذا الحوار:
* في عام 1993م أسستم مركزاً للدراسات الحسينية في لندن، كيف ولدت فكرة هذا المشروع؟ وما هي الدوافع التي دعتكم الى تبنّيه والأهداف التي يتوخاها؟ ثم لماذا اختصّ المركز بالتراث الحسيني حصراً وليس بالتراث الإسلامي عامة؟ ألا يجعله هذا التحديد ذا صفة مذهبية؟
الكرباسي: ألف: فكرة الكتابة عن الإمام الحسين(ع) بدأت منذ أمد بعيد وكانت لي مقالات ومؤلفات في ذلك منذ سنة 1380هـ (1960م)، ولكن فكرة كتابة دائرة المعارف الحسينية هذه بدأت في عاشوراء سنة 1408هـ (1987م)، وأما فكرة تأسيس المركز الحسيني فقد بدأت بعد البدء بمشروع دائرة المعارف الحسينية ولكنها تحققت سنة 1425هـ، ثم أصبحت واقعا ملموساً عندما أعدّ مكاناً مناسباً لهذه الغاية.
باء- ولدت الفكرة لحاجة القضية الحسينية بشكل عام الى التنقيح والتدقيق، حيث تعد هذه القضية من أكثر الأمور التي تطاول عليها الدهر في الزيادة والنقيصة بل التحريف سواء من الموالين أو المُعادين، وبما أنها تعني الكثير في بناء الشخصية الاسلامية فقد تلاعبت الأطراف الأخرى من الغرب والشرق في تغيير وجهة هذه النهضة المباركة التي أثّرت على المجتمع الانساني بشكل عام وعلى المجتمع الاسلامي بشكل خاص لما تحمله هذه النهضة من أُفق سياسية واجتماعية وثقافية واسعة النطاق.
تاء-كان الهدف من تأسيس هذا المركز والذي يُعد الأول من نوعه على الأقل في المملكة المتحدة وفي أوساط الإمامية بالذات، حيث لا يوجد هناك مركز للدراسات في أي اتجاه له علاقة بالاسلام، هو تصحيح المسار وإيصال صوت الحق لمن يريد أن يسمعه.
ثاء- يوجد في النهضة الحسينية ما لا يوجد في غيرها من السِّير حيث جُمع فيها كل ما تكالب عليه الدهر والأعداء في أيام الرسول(ص) وأيام وصيّه الامام أمير المؤمنين(ع) ونجله الامام الحسن(ع) والذي تُمثّـل هذه العهود الثلاثة التراث الاسلامي فكلها تجمعت في سيرة الامام الحسين(ع) حيث كان المخاض الأوسع والأشرس لتلك العهود على جلمود النهضة الحسينية، والحديث عن الامام الحسين(ع) هو حديث عن الرسول(ص) وآله جميعاً، فمن تحدّث عن الحسين(ع) تحدّث عن الاسلام بكل صوره حيث تحققت نماذجه في نهضته.
جيم- الامام الحسين(ع) لا يتلوّن بلون مذهبي ولا قومي ولا غيرهما من الألوان بل هو رمز من رموز الحضارة التي تمثلت به حضارة التشيع، ولا يخفى أن من الخطأ أن يصطبغ التشيع بالمذهبيّة، بل هو حضارة، حيث يمتلك كل مقومات الحضارة، وإنما نعني بالتشيع هو الاسلام الأصيل المتمثل بالرسول(ص) وأهل بيته الطاهرين(ع) إذ أن التشيّع والاسلام وجهان لعُملة واحدة وحقيقة واحدة، وإنما الآخرون أرادوا أن يُمذهبوا الاسلام والتشيّع، كما ساهم البعض من الداخل في الترويج لفكرة الأجانب عن الاسلام والتشيّع.
* أنت مفكّر إسلامي لك خطابك الثقافي الخاص، ما طبيعة مشروعك الفكري الاسلامي؟ هل هو في أساسه مشروع نقدي؟ تجتهد مباحثه وتحليلاته في تشكيل فكر نقدي عقلائي حُر؟ وهل تعتقد أن خطابك الثقافي جديد في طريقة التفكير وفي المنهج والرؤية والتوجّه، يختلف عن الخطابات الاسلامية التقليدية أم هو خطاب أصولي لا ينتمي الى الحداثة وروح العصر ولا يؤمن بالتغيير والتطور والانفتاح على الآخر؟
الكرباسي: ألف: أنا بطبعي وفطرتي لا أحب الظهور ولكني من خلال كتاباتي ولقاءآتي أطرح فكراً متجدداً ومتطوراً للحياة من خلال حضارة الاسلام المتمثّلة بالرسول(ص) وأهل بيته الأطهار(ع) ولا أدَّعي الخصوصية بمقدار ما أمارس النهج المتطور والفكر المتعمق المُستل من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، مشفوعاً بالعِلم مواكباً للعصر.
باء: إن طبيعة المشروع الفكري الاسلامي لديَّ هو في الأساس العودة الى المصادر التي كرّمها الله للبشرية بالنَّص القرآني الكريم والنصوص الصحيحة التي وردت من قبل الرسول(ص) وآله الطاهرين(ع) والعقل الفطري الذي منحه الله سبحانه وتعالى للانسان والاستخلاص منها بآليّة جديدة علميّة يستخدم فيها تطور العِلم والحياة.
تاء: لا أرى أن التعليم هو عين التثقيف بل أرى بأن المتعلّم قد يكون مثقفاً وقد لا يكون والعكس صحيح أيضا، ومن هنا لا يصح التقسيم المشهور للرؤية والمنهج أنه عقلاني أو أصولي لأن الألفاظ استخدمت في غير مسارها الحقيقي، ومن هنا فإن الذي يمتلك حضارة كالاسلام المتمثّل بالتشيّع لا يمكن أن يكون متقوقعا في الجهل ويمارس الجاهلية بل هو علمي موضوعي يواكب العصر والحداثة ويؤمن بالتطور الذي هو سُنّة من سُنن الله جلّ وعلا وهو منفتح على الآخر بأصل الفطرة والدين.
* بما أنه لا توجد أصولية مطلقة لاستحالة التطابق مع الأصل أكان حَدثاً أم نَصّاً فهناك فرقٌ في التجربة الاسلامية بين القرآن والاسلام حيث أن النّص القرآني واحد أما الاسلام فهو مختلف باختلاف تأويلاته وترجماته، متعدد بتعدد فرقه ومذاهبه، فلا إمكان للتطابق مع الأصل لكن يمكن تأويله وترجمته في الهُنا والآن على نحوٍ يختلف ويتعدد. هل تتفق مع هذا الرأي (إنَّ صاحب كل مذهب هو أقلّ حقيقة مما يزعم من أنه متطابق مع الأصل)؟
الكرباسي: ألف: لا يصح القول بأن هناك فرقا في التجربة الاسلامية بين القرآن والاسلام بل يصح القول أن هناك فرقاً بين الاسلام والمسلمين، فالدين الاسلامي هو الذي انتهج القرآن، وهو الذي يأمر باستخدام العقل والبحث والتنقيب والتطور والحوار والوصول الى الحقيقة ولا يعترف بالنظرية بل بالحقائق لأن النظرية تعتمد على الشك واحتمال النَّقض، والحقيقة تعتمد على الواقع والثابت علمياً.
باء: لا أجد بين المحققين خلافا جوهريا في نصّ القرآن الكريم بعد مراجعة النصوص الصحيحة الواردة عن الرسول(ص) وآله الأطهار(ع) بالمعيار العلمي، بل الخلاف نشب عندما أُقصي العقل والآل من ساحة العلم والمعرفة فأصبحت الأطراف تتخبّط بالأهواء وتتلاعب بهم السياسات الحاكمة وهذا هو الذي تسبّب في التعدّد الى حدّ النقيض، وأما التعدد العلمي فهو لا يصل الى حدّ الصراع ولا يوجِب إلا كمالاً وارتقاءاً نحو التطور والمعرفة والوصول الى الحقيقة الموحدة بين كل المنتمين اليها.
* أعتقد أن كثيراً من المفكرين والفقهاء الاسلاميين المعاصرين لم ينجحوا في ممارسة دور تنويري يتفوّق على أو يضاهي الدور الذي مارسه المفكرون والفقهاء في العصر الاسلامي القديم لأنهم لم يعتمدوا منهجاً نقديّاً يتيح لهم استكشاف ممكنات عقلية جديدة مختلفة تجعل ما كان ممتنعاً جائزاً ولم يبذلوا جهدا في استشراف أُفق فكري يتيح لهم تكوين شروط حديثة لانتاج المعنى والحقيقة، فمثل هذا الاستشراف وذلك الاستكشاف يمكنهم من تجديد الرؤى والمفاهيم وتحديث المناهج والطروحات. برأيك هل يستطيع أصحاب المشاريع الثقافية الاصولية الذين يوظفون مخزوناتهم الفكرية في خدمة استراتيجيات سلطوية أن يحققوا غاياتهم من دون ممارسة التعصّب والانغلاق والإقصاء المُفضي الى إرهاب المختلف؟
الكرباسي: ألف: إن الاسلام بشكل عام وفي نهجه التشيّعي نقديّ، يناقش كل الأمور بعلميّة وبشكل نقديّ ولا يضع أمامه خطّاً أحمراً للنقاش بل يحثّ أتباعه والآخرين على سلوك مثل هذا المنهج لكي يصل الى الحقيقة لأنها المطلوبة دون غيرها، وقد ترك للعقل دَوراً كبيراً شرط أن يكون العقل فِطرياً غير متلوّث بالبيئة غير الصالحة لنمو العقل بحُريّة في الاتجاه الإفراطي أو التفريطي لأن منهجه هو وسطيّ كما صرّح به القرآن وحَمَلَتُه بذلك، ومن هنا كان هذا النهج الذي أتى به الرسول الأعظم(ص) هو خاتم لجميع المناهج الأخرى لأنه وضع بمقاس العلم والمعرفة، يواكب العصر ولا يعرف الجمود، ويترك للباحث آلية التحقيق والتنقيب مع الحثّ على التعقّل بعد استخدام العقــــــــل، ناهيا عن استخدام التعصّب الأعمى والرأي المُبيَّت، ومَن كان كذلك اكتـــشف الواقع أو ما هـــو قريب إليه.
باء: لا دَور للتعصُّب الأعمى، ولا الإنــــغلاق، ولا الجُــمود، ولا التكفير، ولا الاقصاء، ولا الإرهــاب في مجتمعاتــنا
إن أردنا أن نكون أمة صالحة وفاعلة، ولا يمكننا التعايش ولا توصلنا الى الحقيقة المتوخاة، بل تزيدنا هذه الأمور إنغماسا في الجهل.
* بصفتك فقيهاً ومُفكراً إسلامياً، هل تعتقد أن المطلوب من الفقيه والمُفكر الاسلامي المعاصر أن يكون مُبشّراً ونذيراً بفعل الهاجس العقائدي الذي يطغى عنده على الشاغل المعرفي، ولأنه مُقيّد بالنصوص وتتحكّم به الأصول ويستحوذ عليه الموروث، أم أن المطلوب منه أن يُفكر بطريقة خلاّقة مُنتجة، أي ينتج معرفة جديدة حيّة، سواء حول النصوص أو الوقائع؟
الكرباسي: ألف: لاشك أن الفقيه والمُفكر الاسلاميين لابد وأن يتحمّل دوره في إرشاد الناس في اتجاهين، بيان ما هو صالح للفرد والمجتمع والدولة، وما هو غير صالح لهم، وإن لم يفعل فما قام بواجبه المُلقى عليه من قبل الله تبارك وتعالى، ولكن لابد وأن يجعل الله نصب عينيه وأن لا يتجاوز حدوده التي رسمها الله والتي فيها مصلحة البلاد والعباد.
باء: إذا كان الفقيه المفكر في مستوى ذلك فانه لم يترك الأمة دون حلّ أو جواب لأنه من المفترض أنه قد وصل الى مرحلة يمكنه من استنباط الحكم الشرعي من النصوص الخاصة أو العامة، وفي الحالات الطارئة يمكنه أن يستفيد من العناوين الثانوية لينتقل من نقطة لا يمكن تطبيقها الى نقطة يمكن تطبيقها ضمن قوانين خاصة بهذه الموارد الاستثنائية، آخذا بالورع والتقوى، ولا يمكنه أن يكون من طلاب الهوى، فخلاص الأمة من المحن وإعطاء الحلول واجبان شرعيان ضمن الشروط الملزمة بقواعد متينة والتي تخوّله التصرّف ضمن هذه المعايير لما فيه مصلحة العباد والبلاد.
* استناداً الى حديث يُنسب الى النبي محمد(ص) مفاده أن المسلمين سيتفرّقون من بعده الى سبعين فرقة ستدخل كلها في النار عدا واحدة وهي الفرقة الناجية، وبناءً على هذه الرواية شُرْعِنَ مبدأ التكفير، واتّسمت الفِرق الاسلامية بالاصطفائية، والاصطفائي يعتقد بأنه ينتمي وحده من دون سواه الى الفِرقة الناجية، ويعتقد كذلك بصفاء عنصره ومذهبه، ويتعامل مع نفسه بصفته الأحق والأصدق والأفضل ومِن هذا نَمَتْ بذرة إلغاء الآخر التي تنطوي على العنف والإرهاب الذي يبدأ بتصنيف الناس بين مؤمن وكافر. كيف تنظر الى هذه المسألة بصفتك مسلماً شيعياً؟
الكرباسي: ألف: الرواية لاشك في صحّتها، والواقع يدل على ذلك، وربما أُريد من العدد هو المبالغة المعهودة في البلاغـــة ضمن اللغة العربية، حيث لفظ السبعين كذلك، وربما أُريد بالواحد والاثنين والثلاث المضاف على السبعين هو توسع الخلاف بعد الفترة الزمنية من ظهور الدين الأول وهكذا، وهذا أمر طبيعي كلما توغل الزمن وكثر الناس إزداد الاختلاف وتفرقوا، فالأرقام تدل على تصاعد الخلاف من دون تحديد.
باء-هذه الرواية لا تُجيز لأحد أن يُكفّر الآخر، بل ترشدنا الى التعايش لأنها تؤكد لنا حقيقتين، الأولى: انه لا يمكن أن تكون كل الطرق صحيحة مئة بالمئة لأنه خلاف الواقع، ولأن الحقيقة واحدة، والثانية: أن الانسان بما أنه لا يعرف أين تكمن الحقيقة فلا يمكنه إقصاء الآخر، بل عليه أن يحتمل أن الآخر على الحق، بغض النظر من أنَّ عليه أنْ يُجهد نفسه لمعرفة الحقيقة ليتمسّك بها وهي حُجّة عليه، ولكن ليس بالضرورة أن يكون قد وصلها، والاسلام اسم للعقيدة والتي تعني السِّلم ويبعد العنف، وتحيّته السلام، وهي تُبعده عن العنف، والتكفير والإقصاء أمران متصفان بالعنف المرفوض من قبل الاسلام، حيث أن الاسلام أيضا يحكم بالظاهر، فمَن شهد الشهادتين فهو محقون الدّم، ولا يحق لأحد التعرّض له باللسان واليد.
* في زمن الحداثة وما بعد الحداثة وفي عصر التكنولوجيا الفائقة وثورة الاتصالات والمعلوماتية يطرح بعض الاسلاميين مشاريع ثقافية دينية منغلقة مشدودة الى الماضي في دول غربية متمدّنة، يريدون عبر مؤسساتهم ومن خلال منظومة عقائدية جامدة استقطاب الغرب المُتحضّر والمتّجه صوبَ المستقبل المُشرق بروح التجديد والخلق والابتكار بعقل حُر التفكير مُنفتح لا يؤمن بالأوهام والأساطير ولا بالتقليد والقوالب الجاهزة ولا بما يعيق قدرته على انتاج معرفة جديدة حيّة وفاعلة تتغيّر على وفقها علاقة الانسان بذاته وبالعالم وبالآخر. ما تعليقك على هذا الكلام؟
الكرباسي: أرى عكس ذلك، بل وأتعامل مع الواقع ومع الأمور العلمية، فقهية كانت أو غيرها بشكل ايجابي، حيث أستخدم العلم الحديث الثابتة معالمه في تقوية النصوص الواردة والأحكام الشرعية، فالعِلم في خدمة الشرع.
* لكم تجربة غنية في البحث والتدريس في الحوزة العلمية، وأسهمتم في وضع حجر الأساس للحوزة العلمية الزينبية في دمشق سنة 1975م، هل سعيتم من خلال حضوركم المؤثر الى تحديث الفقه ومناهج الدراسة الحوزوية التقليدية وجعلها متطورة ومنسجمة مع متغيرات العصر وضروراته ومعطياته لتواكب مسيرة التقدم الحضار؟
الكرباسي: ألف: إنَّ الحوزات العلمية التابعة للامامية جميعها عربية، حيث أن المناهج عربية، وإنما يتم شرحها للطلاب بلُغـــتهم، وبما أن الآخرين مهتــــمّون بهذا الأمر في مختلف الأقطار فلا حاجة الى تأسيس آخـــر، ولكني أرى من الضرورة بمكان تطويرها لتكون بمصافّ الجامعات الحديثة.
باء: عندما كان جزءاً مؤسِّساً للحوزة الزينبية المباركة في دمشق، فإنه بعد سنوات من التأسيس أي في سنة 1400هـ قمت بتحديث المنهج الدراسي بحيث أصبح شبيهاً للمنهج الجامعي، حيث قمت بتغيير بعض النصوص وأضفت بعض المواد التي تناسب اليوم وحاجة المجتمع، بل جعلت في الحوزة فروعاً يمكن للطالب أن يختار الفرع الذي يريده أو يرغب للحصول على شهادة إختصاص، ومن هنا فقد سعيت للاعتراف بها من قبل الوزارة المختصّة لتمنح خرّيجيها شهادة جامعية تكون مقبولة لدى الجامعات العالمية، كما أنني استقبلت الوفود من قم المقدسة من لدن حوزتها العامرة آنذاك ومن لاهور للاطلاع على المنهج الذي طبّقته هناك ليُحتذى به، ولكن بعد انتقاله الى لندن تغيّرت الأمور.
* فضلاً عن كونك فقيهاً مجتهداً وباحثاً متمرّساً ومُحقّقاً بارعاً، فأنت أديب وشاعر، يُذكر أن لك أكثر من أربعة عشر ديواناً، إثنان منها مطبوعة، ولك ثلاثة كتب مطبوعة، إحداها اهتمّ بهندسة العَروض والآخر باستحداث بحور شعرية غير مسبوقة أوصلتها الى (210) بحور، وثالث في بحور العَروض. ما رأيك بالشعر العربي المعاصر عامة (قصيدة العمود، التفعيلة، النَّثر)؟ ثم ما الفرق بين الشعر والنظم؟ هل أنت شاعر بالمعنى الفنّي أم ناظمُ كلام موزون ومُقفّى؟ واتصالاً بما تقدّم أيهما صحيح عندك أن توظّف اللغة في خدمة تجربتك الحياتية والشعرية أم العكس، ولماذا؟
الكرباسي: ألف: كما قلت بطبعي متواضع جداً حينما أُسأل عن أي صفة من الصفات التي ذكرتُموها، فإنَّ جوابي هو: أُحبُّ أن أكون منهم. نعم لدي أكثر من أربعة عشر ديواناً في مختلف الاتجاهات والألوان والأغراض، وثلاثة كتب في العَروض، أولها باسم "الأوزان الشعرية .. العروض والقافية" ويدور حول البحور الخليلية، ولكن بشكل حديث بحيث يمكن للقارىء فَهْم علم العَروض بشكل يمكنه أن يتفقّه فيه، والكتاب الآخر هو "هندسة العَروض" حيث لم أتجاوز تفعيلات الخليل إلا أنني هندستها من جديد، فخرجت من بطون الدوائر وحركتها 210 بحور بما فيها البحور القديمة، وقد مثّلت لكل بحر بألوانه الأربعة من نظمي، وأما الكتاب الثالث فهو باسم "بحور العَروض" حيث نظمَت على البحور الجديدة وذكرت تفاعيلها نظماً.
باء: أرى أن الذي يسمى شعراً هو القريض المُقفّى ذو التفعيلة، شرط أن يؤثر على مشاعر المستمع وإلا كان نظما، وأما شعر النثر فلا يعترف بكونه شعراً بل نثراً وربما سمّاه كلاماً مسجّعاً.
تاء: سبق وقلت لا أعترف لنفسي شيئاً ولا أقيمها واترك التقييم للقارىء.
ثاء: بالنسبة الى المقطع الأخير فأن الشاعر إذا كان مهدفاً استخدم اللغة في خدمة الهدف واستخدم الشعر في مرحلة أخرى لذلك الغرض، وأحبذ أن يُعيد الشاعر اللغة العربية من خلال الشعر الى الوجود والحركة بعد أن اندثرت ثُلثا مفردات اللغة حينما استخدم الشعراء المفردات المُبتذلة، فلم يتبعوا شعراء الجاهلية ولا فطاحل الشعراء في العهود الاسلامية، ومن هنا أيضا لابد أن يستخدم الشعر مركباً للوصول الى الأهداف التي يؤمن بها ويصلح من خلالها مجتمعه، أو يبيّن ما يجب بيانه من خلال الأدب والشعر حتى يخلد شعره ويكون مؤثراً، إذ أن الذي تفضلت به من صورتين، فلا يمكن أن يكون دائما على وتيرة واحدة، بل يجوز الاثنان حسب الأغراض والأهداف
* ما هي آخر إنجازاتك ومشاريعك العلمية والثقافية والأدبية؟ وما الذي تتمنى تحقيقه مستقبلاً؟
الكرباسي: ألف: الانجازات إن صحَّتْ التسمية فهي كثيرة، فإن سلسلة الشرائع التي تصل الى ألف كتاب، وسلسلة الإسلام في البلدان والتي تصل الى ثلاثمائة، والتفسير المُسترسل فضلا عن الموسوعة الحسينية، ولكن ما كان منها مقبول لدى الأمة بعد الله فهو إنجاز، وإلا فلا، وهناك أمور أخرى.
باء: أُمنيات الإنسان كثيرة والإنسان بذاته طَموح، ربما لا حدود له بها، ولكن كما قال المتنبي:
لا كلما يتمنّى المرء يُدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن