لقاءات 0 16757

السيد محمد بحر العلوم :صدام لا يفهم شيئاً من التاريخ العراق يوماً واحداً

img
أجرى الحوار/ مؤيد السعدي
في حوار تحدث العلامة السيد محمد بحر العلوم عضو مجلس الحكم السابق بعد سقوط النظام الصدامي المقبور لمجلة )الخالدون( عن جوانب مهمة من سيرة المرجعية والمقاومة العراقية التي استمرت حتى سقوط النظام البعثي وعن الطبيعة الإجرامية لنظام الطاغية صدام الذي كان يمثل عصابة قتل وإرهاب أحدثت طعنات مؤثرة في جسد شعب العراق.
ال بحر العلوم أسرة حالها حال الكثير من الأسر العلمية في العراق التي تعرض لها النظام البعثي المجرم بكل أساليبه الوحشية من قتل وتعذيب وتهجير. أسرة ال بحر العلوم جزء من هذا الوطن العريق وهو جزء مكون لمدينة النجف الاشرف هذه المدينة التاريخية الضاربة في القدم وهي جزء من المرجعية الدينية وليست المرجعية بالنسبة لأسرة ال بحر العلوم حديثة.
ننشر الجزء الأول من الحوار لأهميته ولفائدة القارئ وسيكون نشر الجزء الثاني غداً.
في نهاية حقبة الستينيات تولى حزب البعث البائد زمام الحكم في العراق كان له مشروع لضرب المرجعية الدينية في العراق كيف تعاملت المرجعية الدينية مع هذا المشروع؟
في البداية اشكر مؤسسة الشهداء على هذا الاهتمام في توثيق شهادات ذوي الشهداء ممن ساهموا في معارضة النظام منذ وصوله إلى السلطة في العراق في أواخر الستينيات والى يوم سقوط النظام الفاشي الدكتاتوري. الحقيقة حينما حصل التغيير في العراق من الملكية إلى الجمهورية كان غالبية العراقيين في أمل وتفاؤل بان ذلك الوضع الشاذ سيتغير ففي أواخر الخمسينيات مثلاً هناك قضايا أثارت الفوضى وزرعت الرعب في الشارع العراقي فتصدت المرجعية الدينية لها واستطاعت أن تعيد الاستقرار وتحافظ على الصلات الاجتماعية بين أفراد المجتمع أن المؤسسة الشيعية في العراق هي صمام الأمان للشعب .وحين مرت الظروف وانتهى العهد القاسمي وجاء العهد العارفي الأول تحولت الأمور إلى نوع من الطائفية البغيضة التي بدأت تفتت الوحدة العراقية وطبيعة تألفها الشعبي هذه الطائفية أضرت بوحدة الشعب وتطلعاته للمستوى فأحبطت أماله في التغيير والتجديد في مسيرة الحكم العراقي، وانتهى الحكم العارفي الأول وجاء الحكم ألعارفي الثاني و خلال هذه المدة كان العراق بين جذب وشد من حيث طبيعة ونوع الحكم الجديد حتى جاء البعثيون إلى السلطة فبدأ المواطن يشعر بان هناك تغيير غير معهود وممارسات لم يعرفها الشارع العراقي وكان كل ذلك مدروس ومخطط له فقد شمر البعثيون عن سواعدهم للإرهاب والرعب والقتل وكل شيء في قاموس الإجرام الذي كان مؤشراً لمستقبل مظلم ،لازلت أتخطر وأنا احد الأشخاص العاملين في تلك الفترة ضمن حلقة المرجعية الدينية في النجف
الاشرف والتي كان يتزعمها الإمام الراحل آية الله العظمى السيد )محسن الحكيم( تلك الشخصية التي تمكنت من التصدي لظلم الأنظمة الحاكمة في تلك الفترة وهنا نقطة يجب أن أوضحها أن الفكر الشيعي في ما يخص التقليد والمرجعية لم يشترط أن يكون المرجع عربياً آو معين من جهة وإنما إذا توفرت فيه شروط المرجعية سواء كان عربياً آو فارسياً أو أفغانيا أو باكستانياً فمن الممكن أن يكون زعيم للمرجعية الشيعية كلها، أن النجف منذ قدم الزمان كانت مكاناً خاصاً لكبار علماء الدين و بعد عشرين عام سيمر على تشكيلها
ألف عام ففي عام 448 انتقلت المرجعية الشيعية من بغداد إلى النجف الاشرف بعد دخول السلاجقة حيث شهدت تلك الفترة اعتداءات على المراجع وحدثت مشادة بين الشيعة والسنة وحصل اقتتال شديد اودى في يوم واحد لمقتل أكثر من عشرة آلاف شخص مما اضطر الشيخ محمد بن جعفر الحسن الطوسي أن يقيم في النجف الاشرف الحوزة العلمية والمرجعية الدينية وقد مرت المرجعية خلال هذه المدة الطويلة من عمرها بعواصف قوية تارة وهدوء تارة أخرى كل هذه الهفوات التي واجهتها زاد من خبرتها في التصدي للظروف المتغيرة والسياسات الظالمة لكثير من الحكام على
مر الزمان.
هل كان نظام البعث البائد يحسب حساب هذا العمق التاريخي لمدينة النجف الاشرف وأراد أن يجعل المرجعية في صف مشروعه الدموي في العراق؟
أنا اعتقد أن صدام لا يفهم من تاريخ العراق يوماً واحداً وكل الذي جاءوا في هذا القطار الحافل بالجرائم ليتولوا زمام الحكم ويصبحوا حكاماً ضد الشعب ويسكتوا أفواه المعارضة بالقتل والتهجير وغيرها من أساليبهم القمعية.
ففي طبيعة الحال لم يكن البعثيون يملكون ذاك العمق في التفكير والتخطيط في بداية
أمرهم واذكر أن )احمد حسن البكر( خلال حكم )عبد الكريم قاسم( كان هو ومجموعته من البعثيين يعملون للوصول إلى السلطة بأي طريقة حتى لو كلف ذلك قتل آلاف العراقيين وهنا لاحظت المرجعية هذا الخطر فقد ساعدت التجارب الكثيرة للمرجعية الدينية مع أنظمة الحكم المتغير على إيجاد الحلول والتصدي للظلم والذي يقرأ التاريخ العراقي يجد الدور الفاعل للمرجعية الدينية وبالأخص في النجف الاشرف فدورهم بارز في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني كما هو دورهم ضد الأنظمة المجرمة.
* صدام كان يعلم جيداً أن منهج الشيعة هو منهج ثوري هل باعتقادك أن هذا هو السبب الذي دفع صدام لضرب المرجعية بشكل دموي؟
العراقيون حاربوا الانكليز يوم دخلوا العراق كمحتلين وتصدوا لكل سلطات الاحتلال وخاصة الشيعة هذا الجانب كان جانباً واضحاً بشكل كبير ومعروفاً عند العامة والخاصة وهذا يعني أن الشيعة لم يقبلوا أن يحكم العراق حاكم أجنبي وعلى الرغم من
أن التاريخ كان واضحاً بأن العهد العثماني في العراق كان طائفياً قاسياً إلى ابعد الحدود وبالرغم من ذلك كانت المرجعية ثابتة على موقفها متصدية لهم وقد احترم الأتراك والانكليز علماء العراق وخاصة الشيعة منهم لمواقفهم تلك .بالرغم من أن موقف الشيعة من الأتراك كان مختلفاً إذا
ما قورنت مع تعاملهم مع الانكليز فكانوا يقولون (دعم الإسلام الضعيف خير من وصول أجنبي للحكم).
* سماحة السيد هل تتفضلون بتقديم نبذة عن أسرة آل بحر العلوم
بالنسبة إلى أسرة آل )بحر العلوم( والتي تنتمي إلى جدنا المرحوم السيد بحر العلوم الذي ولد عام 1150 وكان زعيم المرجعية،
ففي أسرتنا أكثر من عشرة مراجع منهم السيد محمد صاحب بحر العلوم مرجع في أوائل القرن العشرين ثم السيد محمد تقي بحر العلوم كان مرجعاً أيضا كذلك محمد علي بحر العلوم الذي شارك في ثورة العشرين وجاء إلى البصرة مجاهدا ،وأبي وهو احد الذين سافروا في أيام الجهاد إلى البصرة ضد الانكليز لم تكن لنا خصوصية فأغلب بيوتات النجف الاشرف من المجاهدين والعلماء والمراجع وإنما نحن كنا جزء من المعارضة التي تصدت لنظام البعث وحينما دخل البعثيون إلى الحكم كانوا على علم بمكانتنا داخل المرجعية في النجف الاشرف وتعرضوا لنا بكل أساليبهم القذرة ولم يكن تعامل احمد حسن البكر وصدام وكل هذه الزمرة الطاغية معنا من فراغ فقد كنا من الأسر المعارضة لهم وضد سياستهم القمعية . كان مخططهم واضح جداً لدينا وملخصه أن يقوم النظام الصدامي بإبادة رجال المرجعية وفك الأواصر التي تربط اغلب الأسر الدينية والعلمية في النجف الاشرف ولكنه لم يتمكن من إبادة كل رجال الدين والأقرب لك مثلاً والدي الذي توفي في عام 1960 كان معارضاً للعهد الملكي ولم تكن الظروف في ذلك الوقت مهيأة لخدمة الشعب وهذا ما دفع والدي لمعارضة النظام في حينه وان كانت الظروف في العهد الملكي أفضل بكثير مما جاء به البعثيون فاستهدف والدي واستهدفت أنا لأننا نشأنا نشأة تاريخية وطنية وأنا أتذكر عام 1958 عندما قامت ثورة عبد الكريم قاسم التقينا في حينها مع بعض رجال الدين في ذلك الوقت وذكرت لهم أن هذه الثورة تضم في ثناياها عدداً كبيراً من البعثيين
* كيف تعرض حزب البعث البائد لأسرة ال بحر العلوم؟
آل بحر العلوم أسرة حالها حال الكثير من الأسر العلمية في العراق التي تعرض لها النظام البعثي المجرم بكل أساليبه الوحشية من قتل وتعذيب وتهجير. أسرة آل بحر العلوم جزء من هذا الوطن العريق هي جزء مكون لمدينة النجف الاشرف هذه المدينة التاريخية الضاربة في القدم وهي جزء من المرجعية الدينية وليست المرجعية بالنسبة لأسرة ال بحر العلوم حديثة.
أعود وأقول إن أسرة آل بحر العلوم هي واجهة من واجهات النجف المعروفة بعلمائها ورجال دينها المعروفين وهذه الأسرة بكل عمقها العلمي والتاريخي لم تستطع أن تصمت أمام انتهاكات واضحة كان يظهرها النظام بشكل علني وسافر مما دفع بعدد كبير من رجال هذه الاسرة وغيرها من اسر العراق الشريفة للتصدي لهذا النظام المتغطرس وقد توضح لنا ومنذ الأيام الأولى لتولي البعثيين زمام الحكم في العراق مخططهم الإجرامي وكان هذا المخطط يتضح يوماً بعد يوم وتظهر الصورة بشكل أوضح للعموم وكنا على يقين أن هناك نهاية لهذا الظلم فلم يدم ظلم الظالم مهما طال عمره فلا بد أن تكون هناك نهاية هذه النهاية كنا نسعى لها سراً وعلانية.
* هل كان في مخطط حزب البعث أن يسيس المرجعية ويجعلها تابعة له؟
اي حاكم في طبيعة حاله يرغب بالاستيلاء على الحكم بأي شكل وبأي صورة وبالتأكيد هو سعى لان يصل ل الى مبتغاه باقصر الطرق وبأقلها كلفة لكن ميزة البعث وصدام انه كان يحوي في صفوفه أمراضاً اجتماعية ونفسية اثرت وانعكست بشكل او بأخر على سلوكه و تعامله مع رجال العراق الشرفاء من العلماء ويمكن ان اصف البعث كحيوان كاسر كان يرغب ان يفترس ضحيته بأي طريقة وكان كل الشعب العراقي ضحية له وليست فئة بذاتها فقد وزع ظلمه على اطياف
العراق ولا يخفى ان الظلم الاكبر وقع على الشيعة لانهم يحملون في ثناياهم مبادىء الثورة الحسينية اما بالنسبة الى المرجعية فلم تكن في يوم ترضى ان تكون صديقة لمجرمين او وحوش فهناك بعد شاسع مابين ضوء الشمس وظلام الليل بالرغم من ان بعض المجاميع من البعثيين حاولوا تقريب وجهات النظر وكانوا يتصورون ان بأستطاعتهم الحصول على مكاسب تجعل المرجعية الدينية في صفهم ولكنهم كانوا حقاً لايدركون حقيقة المرجعية الدينية وما كانت تمثله من البعدين الثقافي والاجتماعي اضافة للبعد النفسي الذي كان يلعب دوراً مهماً في صفوف الجماهير العربية وليس العراقية فقط وانا انقل لك قصة حدثني بها احد الشخصيات الشيعية وهو شيخ محترم من البصرة كان لهذا الشيخ صديق يشغل وظيفة محافظ في الدولة العراقية ايام البعث وهو من تكريت وقد كان يتردد عليه فجاء احد الاهالي وطلبوا من الشيخ التوسط لهم لان ولدهم محبوس وقالوا صديقك محافظ ومن شيوخ تكريت فأطلب منه ان يطلق سراح ولدنا فقرر الشيخ الذهاب لزيارة صديقه وعند وصوله رحب به واخبره بان له طلب عنده فأخبره بأمر السجين واستفسر بخصوص معرفة مكانه وامكانيةا الاق سراحه فأتصل الشيخ التكريتي بجهة أمنية واخبرهم بالاسم فأكدوا وجوده عندهم عندها قال لهم لماذا تعذبونه كل هذه المدة اقطعوا رأسه وينتهي الامر فصدم صاحب الطلب اذ لا مجال للتقارب بين فكر اجرامي وفكر اسلامي.
وهنا نقول ان البعث مدرسة للاجرام تذهب جماعة وتأتي جماعة ولو اختلفت مسمياتهم ولكنهم مشتركون بمفاهيم الاجرام الواحدة والتي هي ضد الانسانية والعدالة والحرية وكنت استفهم كثيراً عن سبب مقتل عبد الكريم قاسم وكيف قام البعثيون بقتله فكانت الاجابة واضحة عندما جلبوه الى غرفة وبدأو الحوار معه لكنهم لم يستطيعوا ان يفهموا هذا الرجل بسبب البعد في المفاهيم فأشار عند ذاك عليهم عبد السلام عارف بقتله والتخلص منه اسلوب حكم البعث هكذا منذ نشأتهم ولحد هذا اليوم وهناك الكثير ممن حاولوا تقريب وجهات النظر بين المرجعية وحزب البعث لكنهم فشلوا لعدم وجود تقارب بين مفاهيم العدل ومفاهيم الظلم فكان احمد حسن البكر يبعث بالمؤونة من السكر والقهوة وماشابه ذلك لمجالس العزاء الحسيني وهو رئيس للجمهورية وفي نفس الوقت يقوم صدام حسين وهو نائبه بأعتقال من كان ينظم هذه المجالس او حتى من كان يتردد عليها كان عمل الجهتين كعمل عصابة منظمة تهدف الى ترويع ابناء الشعب العراقي حتى وصل الامر الى اقتتال افراد العصابة فيما بينهم فأستطاع صدام حسين قتل احمد حسن البكر في سعيه للوصول للسلطة وصفا اقرب الناس له هذه الوحشية لم يكن لها مقياس او معيار لتفهم لكننا استطعنا ان نفهمه بشكل واضح فهو اقرب للحيوان المفترس الذي لا يفهم لغة الحوار بل يفهم لغة الدم والقتل وكنا في هذا الوقت نتصدى بشكل او بأخر لهذه العصابة وكان الثمن باهضاً جداً ففي عام 1969 اي بعد سنة من تولي حزب البعث السلطة حكم على عدد كبير من افراد ال بحر العلوم بالاعدام وكانوا لا يستهدفون المرجعية بشكل مباشر بل يستهدفون الدائرة الضيقة للمرجعية.