تحقيقات 0 5505

7227 لغة في العالم ولآسيا حصة الأسد تليها إفريقيا ثم أوربا في الأخير(تقرير)

img

فوزي هادي الهنداوي

المجاميع العربية صامتة والناطقون بالألمانية أدخلوا إصلاحاً علي لغتهم من أجل الصمود أمام الانكليزية والفرنسية

أخيرا قد يكون مفيدا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية: هناك في العالم 7227 لغة موزّعة علي النحو التالي: في اسيا 2197، وفي إفريقيا 2058، وفي منطقة المحيط الهادئ 1311، وفي أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللغات الميتة تقريبا الآن حيث عدد المتكلمين بها جد قليل فهي: 55، 37، 157، 161، 8 وفق الترتيب المذكور، أي أن عدد اللغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة(26).

4 ــ الانقراض اللغوي ــ الواقع والمسببات.

تعود الزيادة المضطردة في عدد اللغات المهددة بالانقراض بالقدرة الاكبر الي الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعانيها مجتمعات الاقليات، مما يستبعد التزام الاجيال الجديدة باللغة التقليدية(27).

ويعد الخبراء لغة ما مهددة بالانقراض بشكل عام عندما لا يتعلمها 30% من الاطفال(28).

وفي ظروف معينة ربما كان من العسير الوقوف في وجه اندفاع لغة جديدة، مثلا حينما يتم اتصال مجتمع ما مع ثقافة مجتمع اقوي اقتصادياً، او عندما تتعرض مصادره الطبيعية للاستغلال من قبل اجانب، الا ان اللغة القديمة لديها فرصة متناهية في البقاء اذا شددت السلطات علي استخدامها في المدارس والمصالح الحكومية ووسائل الاعلام. ويري بعض المفكرين ان للعولمة دخلاً كبيراً في موت ما يسمي (باللغات الضعيفة) لانها بدلا من ان تساعد علي تقويتها وانتشارها لكي تسهم بدورها في تحقيق التفاهم والتقارب بين الشعوب حسب ما يقتضي به منطق العولمة، فانها تقضي عليها كنتيجة مباشرة لارتباط العولمة بالهيمنة الاقتصادية للقوي السياسية والاقتصادية الكبري، التي تفرض بشكل مباشر او غير مباشر لغاتها علي الدول المتخلفة، وهو ما يفسر الي حد كبير انتشار اللغة الانكليزية الي الحد الذي يؤهلها في رأي الكثيرين لان تصبح هي اللغة العالمية الكبري او لغة العولمة (29). وهكذا ساعدت العولمة علي الارجح علي زيادة تدمير اللغات، فاللغة الانكليزية اصبحت بسرعة اللغة التي لاغني عنها بالنسبة للاشخاص الناجحين من دول وثقافات مختلفة، وهذا يعود في جانب منه الي ان عددا غير متجانس من اغنياء العالم يتحدثون الانكليزية ولانها لغة الثورة التقنية، فحتي قبل ظهور الانترنت، ساعدت الهواتف والتلفزة والنقل الجوي والابتكارات الاخري لغات الثقافات والاقتصادات المهيمنة علي الانتشار.

وهناك عوامل اخري تساعد علي اختفاء كثير من اللغات مثل التعصب العرقي والديني واللغوي الذي يحارب لغة الاقليات.

وقد ساعدت الحكومات الغربية علي اسكات مئات اللغات، حيث عمل المهاجرون الاوربيون الي استراليا في القرن التاسع عشر علي ابادة السكان الاصليين وترحيلهم عن اراضيهم، وعانت اللغات الاصلية لمواطني استراليا من تراجع آخر في النصف الاول من القرن العشرين مع محاولة (تمدين) المواطنين الاصليين من خلال فرض نظام التعليم المدرسي الغربي عليهم، والملابس الغربية والجرعات القسرية من المسيحية واللغة الانكليزية(30).

وبالمثل عملت الحكومة الامريكية علي ابادة قبائل الهنود واجبرت ابناء الامريكيين الاصليين علي دخول المدارس الحكومية التي حظرت استخدام أي لغة ما عدا الانكليزية. وفي افريقيا فان اللغات الاوربية للدول الاستعمارية السابقة تفوق في الاهمية اللغات الافريقية المعروفة مثل السواحلية والهوسا واللينجالا، خاصة في الساحة السياسية في افريقيا جنوب الصحراء. ويقتصر تعليم اللغات الاجنبية في معظم دول القارة علي الصفوة ولكن يدرس التعليم العالي والنظام القضائي والاعمال التجارية بلغة اوربية، ومن الممكن القاء الشعارات والعبارات الرنانة اثناء الحملات الانتخابية باللغات الافريقية المحلية، اما الاعمال الحكومية فتتم بلغة المستعمر السابق. وتتضح هذه الظاهرة جليا في افريقيا الغربية والوسطي والجنوبية وتقل في شرق افريقيا مثل اثيوبيا والصومال حيث تستخدم الامهرية والصومالية. وتفضي هذه الظاهرة الي حرمان عدد كبير من سكان القارة الافريقية من المشاركة في الحياة السياسية، حيث لا يستطيع رجل السياسة في افريقيا جنوب الصحراء ان يدير شؤون دولته الا باستخدام لغة المستعمر الاوربي. وافضت الهيمنة السياسية للولايات المتحدة الامريكية الي هبوط نسبي في اهمية اللغتين الفرنسية والبرتغالية في القارة الافريقية لحساب اللغة الانكليزية التي اكتسبت اهمية اكبر في السنوات الاخيرة(31).

5 ــ ملامح الخريطة الجيو ــ لغوية في العالم

بعد عرض تفاصيل المشهد اللغوي الراهن في العالم وما عصف به من ظواهر الهيمنة والطغيان والانقراض والاحتضار والتهديد لابد من تحديد ابرز الملامح الاساسية للخريطة الجيو ــ لغوية وهي (32).

الخريطة الجيولغوية

1 ــ وجود اعصار معلوماتي جارف يهدد لغات العالم ويمارس عليها ضغوطاً سياسية واقتصادية وعلمية وتقنية وثقافية لمصلحة اللغة الانكليزية لغة الدولة المهيمنة علي العالم حالياً.

2 ــ تنامي نزعة التكتل اللغوي من اجل مواجهة الهيمنة الطاغية الانكليزية مثل الفرانكفونية والاسبانوفونية وتحالف اللغات الاسكندنافية ومحالات الكومنولث الروسي لاحياء التحالف اللغوي الذي اطاح به تفكك الاتحاد السوفيتي السابق.

3 ــ ظهور حركات اصلاح لغوي نشطة من ابرزها ما قامت به المانيا والنمسا وسويسرا في عام 1996 بانشاء لجنة مشتركة لادخال اصلاح موحد علي اللغة الالمانية لتصمد امام منافسة الانكليزية والفرنسية والاسبانية.

4 ــ قيام جهود متعددة لكسر الحواجز اللغوية التي تفصل اللغة الوطنية عن لغات العالم السائدة، كمسعي اليابان في امور الترجمة الالية من اليابنية واليها، وحرص الصين علي تعلم الانكليزية، وقرار بريطانيا تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية في مدارسها وجامعاتها.

5 ــ زيادة هائلة في حركة الترجمة من اللغة الانكليزية الي لغات العالم المختلفة خاصة اذا قورنت بضمور الترجمة اليها.

6 ــ قيام الكثير من البلدان بانشاء معاهد بحوث متخصصة في علاقة لغاتها الوطنية مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

7 ــ قلق متزايد من قبل بلدان العالم الثالث علي لغاتها المحلية من خطر الاستقطاب اللغوي.

8 ــ اعتبار التنوع اللغوي مصدر قوة لا مصدر ضعف في عصر المعلومات واقتصاد المعرفة، كما هو الحال في دول الاتحاد الاوربي، في مواجهة القطب الامريكي المتشبث باحاديته اللغوية.

9 ــ زيادة مطردة في عدد اللغات واللهجات المنقرضة او المحتضرة او التي في حالة خطر حسب تصنيفات منظمة اليونسكو. 10 ــ تحرك الانترنت صوب المزيد من التوازن اللغوي بعد الاختلال الشديد نتيجة للهيمنة شبه الكاملة للغة الانكليزية الذي شهدته مرحلة انطلاق الانترنت.

يشهد العالم حاليا في ميدان اللغات توجهين متناقضين: احدهما يقوم علي اساس التنوع اللغوي، والاخر يميل الي الانغلاق في اطار التوحد اللغوي. فبينما تعد كتلة الاتحاد الاوربي التنوع اللغوي لدولها (17 لغة) مصدراً لقوتها الاستراتيجية في مواجهة القطب الامريكي المتشبث باحاديته اللغوية، تسعي المانيا الي قيام حلف لغوي الماني يجمع بينهما وبين النمسا وسويسرا. ولمجموعة الدول الاسكندنافية مشاريع مشابهة للتكتل اللغوي.

وعلي المستوي العالمي نشاطاً متزايداً لاحياء التحالفات اللغوية مثل الانجلو والفرانكفونية والاسبانوفية، كما ان هناك محاولات من قبل دول الكومنولث الروسي لاحياء اللغة الروسية التي منيت بانتكاسة اثر انهيار الاتحاد السوفيتي. اما علي مستوي الدولة الواحدة، فيعد موقف اليابان من لغتها نموذجا للنضال ضد هيمنه القطب اللغوي الاوحد، حيث ايقنت اليابان ان مصيرها في عصر المعلومات، والانترنت خاصة، رهن بمصير لغتها، حيث توالت جهودها لتأمين موقع معين لها علي الخريطة الجيو لغوية.

احتمال ظهور قوي لغوية جديدة

ويواجه العالم الان بالنسبة لمستقبله اللغوي احدي اثنتين: اما ان يتجه نحو مزيد من التجانس والتقارب، نتيجة لاختفاء واندثار عدد كبير جدا من اللغات الضعيفة، مما يعني في الوقت ذاته ضياع جهود الاف السنين، وظهور عالم جديد اكثر فقرا من الناحية اللغوية والثقافية، رغمة تقدمه التكنولوجي الصارخ، واما ان تتمكن بعض ــ وان لم يكن كل ــ اللغات التي تعتبر الان ضعيفة امام الانتشار الذي حققته الانكليزية من الصمود والاحتفاظ بتكاملها الثقافي مع تطوير امكاناتها بحيث تتلاءم مع المستجدات الحديثة في عالم الاتصال والمعلومات، وتتعايش مع اللغات الكبري، وبذلك تسهم ولو بقسط في تحقيق التفاهم والتقارب بين مختلف الشعوب (33). ويتوقع الخبراء احتمال ظهور قوي جديدة تزاحم امريكا (وبريطانيا والمجموعة الانكليزية) في نفوذها السياسي والاقتصادي وتعمل بالتالي علي نشر لغاتها علي حساب الانكليزية، وترشح هذه التوقعات شرق اسيا وامريكا اللاتينية بل والمنطقة العربية. أي ان هناك بعض الشكوك القوية حول احتمال ان تصبح اللغة الانكليزية لغة المستقبل التي يمكنها توحيد العالم، خاصة وانها هي ذاتها تتفرع الان وتنقسم الي عدد كبير جدا من اللهجات المختلفة المتباعدة بعضها عن بعض والتي قد تتطور لتصبح لغات منفصلة ومتمايزة. بل ان ثمة من بين المفكرين من يرفض تماما فكرة ان تسيطر أي لغة واحدة، بحيث تصبح هي اللغة الوحيدة السائدة واداة التفاهم الوحيدة بين مختلف شعوب العالم لان ذلك معناه القضاء علي التنوع اللغوي الذي هو اساس التنوع الثقافي الذي ينبغي المحافظة عليه لصالح الانسانية.

مبادرة بابل

ان الحفاظ علي التنوع اللغوي مسؤولية مشتركة يجب ان تسهم فيها الحكومات، وافراد الجماعة الناطقة بها، والجمعيات الاهلية، ووسائل الاعلام، وجهات التمويل، والمنظمات الدولية وعلي رأسها منظمة اليونسكو التي تبدي اهتماماً متزايداً بتعدد اللغات وتنوعها في وسائل الاعلام وشبكات نقل المعلومات والبيانات.

وتعد (مبادرة بابل) من ابرز جهود اليونسكو في هذا الشأن، وتهدف هذه المبادرة الي (34):

1 ــ حث الحكومات والمنظمات علي سن السياسات التي تضمن التنوع الثقافي وحماية لغات الاقليات.

2 ــ المشاركة في مشاريع متنوعة تؤازر التنوع اللغوي كتطوير نظم الترجمة الالية مابين عدة لغات، وبناء معاجم ومكانز وبنوك مصطلحات متعددة اللغات، والقيام بدراسات عن علاقة التنوع اللغوي بالتنوع الثقافي وعملية التنمية البشرية بصفة عامة.

3 ــ نشر المعلومات الخاصة بوضع اللغات عالميا، وتبادل الحلول المبتكرة في صيانة اللغات وتوثيقها وتعلمها.

وقد ادي الشعور بفداحة الاخطار التي تهدد حياة اللغات الضعيفة الي الاهتمام الذي يبديه منذ بعض الوقت علماء اللغويات والصوتيات بتسجيل (اصوات) اللغات المهددة بالانقراض وبعض خصائصها الاخري قبل اندثارها، حتي لا تضيع ثروة انسانية يصعب تعويضها.

ومن ناحية اخري هناك بعض الجهود التي تبذل من اجل اختراع لغة جديدة تتناسب مع استخدامات الحاسوب والانترنت، وتتميز بالسهولة والبساطة حتي يمكن تعليمها واستخدامها بغير عناء، ولهذا يرمز الي هذه اللغة بكلمة (سهل Easy) ولكن لم تتضح بعد كل ملامح هذه اللغة او مدي امكان تطبيقها والاهم من ذلك تحديد (اللغة) التي سوف تقدم بها هذه اللغة الجديدة في بداية الامر، وهل هي اللغة الانكليزية باعتبارها لغة الانترنت في الوقت الحالي علي الاقل ؟، مع ان الكثير من المفكرين والمهتمين بامور اللغات يفضلون تطوير عمليات الترجمة بين اللغات المختلفة بالاستعانة بالانترنت، بحيث تتم الترجمة فور نطق الكلمة، وبحيث يتحول الكلام بأي لغة الي نص مكتوب ومنطوق باللغة التي يراد الترجمة اليها وبذلك يمكن تحويل النص الي كلام، والكلام الي نص مقروء من دون جهد كبير (35). ويبدو ان التكنلوجيا حققت نجاحا ملموسا في هذا المضمار، بحيث ان الترجمة اصبحت ممكنة الان بين حوالي خمسين لغة عن طريق ما يطلق عليه اسم الاله القارئة وهناك جهود اخري كثيرة تبذل باستمرار لتطويع الحاسوب لانجاز عدد من المتطلبات اللغوية الاخري لتحقيق التقارب والتفاهم دون الحاجة الي اختراع لغة عالمية واحدة او الانصياع والاستسلام لهيمنة لغة من اللغات القوية مثل الانكليزية.

وقد كانت القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقدت في تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2005 قد اثارت من جديد اشكاليات اللغات في ظل هذا المجتمع حيث طالبت (بتشجيع شمول مجتمع المعلومات جميع الشعوب من خلال تطوير واستعمال اللغات المحلية او لغات الشعوب الاصلية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مؤكدة علي ضرورة تواصل الجهود من اجل حماية وتعزيز التنوع الثقافي، والهويات الثقافية في داخل مجتمع المعلومات ) (36).