المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 788

في إشكالية التداخل بين مفهومَي الدولة والحكومة

صباح جاسم

كان للأحداث التي تشكلت فيها الدولة العراقية الحديثة بدءاً من المملكة الفيصلية في العام 1921 برئاسة عبد الرحمن النقيب، ومرورا بتأسيس الجمهورية الاولى على يد عبد الكريم قاسم من خلال ثورة راحت فيها العائلة الملكية ضحية في الأحداث التي رافقتها، ومتابَعةً بالإنقلاب الذي تأسست عن طريقه الجمهورية الثانية بواسطة البعث، وانتهاءً بسقوط النظام السابق في العراق عام 2003، كان لدورة العنف المتجددة تلك آثارٌ سلبية كبيرة على المجتمع وخلقت هذه الآثار فيما بعد أمراضاً مجتمعية جعلت من مفهوم الوطنية مبدءاً يتصدّع في ذهن المواطن شيئا فشيئاً، فتولّدت قناعات خاطئة لديه قادتْهُ الى أن يعتقد جازماً في ان الدولة هي الحكومة والحكومة هي الدولة.

على هذا الأساس كانت ذهنية المواطن- في حالات تغيير الحُكم المُشار اليها وما تخللها من إنفلات وفراغ أمني وإداري- قد تشكلت من محورين يتباعدان عن بعضهما، الاول: ان المواطن كان يصبُّ جام غضبه المكبوت إبان دكتاتورية الحكومة المنتهية على مؤسسات الدولة وعلى الممتلكات العامة منها والخاصة، متصوراً ان ذلك العمل يعيد اليه الشعور بالحرية الشخصية والقدرة على الإتيان بأي عمل يبتغيه، ويرافق تلك الأعمال بالطبع حصوله على مبتغاه المادي او العيني الذي يشعر انه محروم منه، محاوِلاً إقناع نفسه على ان ما حصل عليه هو جزء من استحقاقاته المصادَرة كما كان يردد اغلبية الذين قاموا بأعمال السلب والنهب (الحواسم) في فترة الفراغ الامني التي واكَبَتْ العام الاول من سقوط النظام السابق في العراق سنة 2003. مُطلِِقين صيحات(هذه حصتي من النفط)...

اما الاتجاه الثاني فقد تمثل في ازدياد سلبية المواطن تجاه مسؤولياته الوطنية، وهذه السلبية قسّمت المجتمع الى قسمين احدهما، المواطن العادي، الذي غالبا ما انقاد وراء الاتجاهات والايديولوجيات الجديدة التي تخلّفها التغيرات الحكومية محاولاً ايجاد مكان أفضل في الفوضى المواكِبة للتغيير، والآخر هو المثقّف الذي كان ولايزال ينأى بنفسه عن السياسة وعلاقات المجتمع متخذاً من ذريعة القمع الفكري المتواصل وجهل المجتمع وتجاهل وتهميش السلطة له حجة في ذلك.

من جهة اخرى فإن المؤسسة الدينية، التي غالبا ما كانت تمارس دورها الإرشادي والتثقيفي خلال الحقبات الماضية من خلف الكواليس لأسباب القمع والتسلط الحكومي، قد كانت مغيّبة بسبب محاصرة النظام السابق لها في مسألة تثبيت مفهوم \"الدولة\" بمعنى الوطن، في ضمير المواطن، وفصلْ هذا المفهوم عن رديفه \"الحكومة\"، الذي قامت بمَزجهِ إيديولوجيات التسلط الحكومي، مع الوطن، حتى اختزلتهُ في شخص واحد(الحاكم) ومن ثم جعلت هذا الشخص مجسِداً للوطن وبنفس درجة اهميته، بل كانت عقوبة التعدّي على الوطن بمعنى الممتلكات

العامة ومقدرات الدولة والمواطنين، اقل من عقوبة التعدي على الحاكم.

ورغم ان المؤسسة الدينية قد حذّرَت مراراً وتكراراً من المساس بمقدرات الدولة وما تحتويه من الممتلكات والمؤسسات، في فترات الفراغ الأمني ما بين سقوط حكومة وولادة أخرى، إلا ان تداخل الأجندات المختلفة التي كانت تنشط في تلك الفترات قد أفرغَ تلك التحذيرات من محتواها، حتى تداخلتْ أهداف مَن يأتي من الخارج، بقصد التخريب والفوضى، ليسرق وينهب ويخرّب ويؤسس لأوضاع دخيلة، مع بعض أبناء الوطن الساخطين على التسلّط، مستغِلّين ضعف الحكومة او انهيارها لإثبات وجودهم من خلال ممارسات التعدّي والاعتداء على مقدرات الدولة ومفاصلها.

الخلاصة

قامت الأنظمة التسلطية التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة فيه بداية القرن الماضي وحتى سقوط النظام السابق عام 2003 بإذابة مصطلح الدولة في بوتقة الحكومة، حتى أصبحتا بنظر المواطن وجهين لعملة واحدة، من ثم عملت تلك الأنظمة على شخصنة الدولة وسوقها باتجاه الحاكم، الذي اصبح نتيجة المركزية المفرطة، هو الدولة.. وعلى هذا الاساس فإن من أسباب ظمور الوطنية ومنها مسؤولية حماية الدولة، في ضمير المواطن هي السياسات الشمولية للأنظمة المتعاقبة.

ولكن، لا يمكن رمي تبعات ما يصيب الدولة من خراب في البنى التحتية والممتلكات والمؤسسات، أثناء فترات الفراغ، على عاتق الحكومات السابقة او الآنية فقط دون ان نُحمِّل المجتمع جزءاً كبيراً منها على اعتبار ان مسألة حفظ الدولة هي مسؤولية جماعية قبل ان تكون من واجب الحكومة، لإعتبارات عديدة منها:

1- ان الموارد البشرية للدولة هي اكبر بكثير من تشكيلات الحكومة الأمنية وإن كانت قدرات الاخيرة اكبر من الاولى، لذا فإنه في حالة انهيار الحكومة ومعها مؤسساتها العسكرية يبقى الشعب وحده بطبيعة الحال هو من يحكم نفسه بنفسه، وهنا يظهر مدى الثقافات المجتمعية، فإن كانت المجتمعات تحترم وجودها في حضن الدولة بمعنى الوطن، فإنها ستكون حريصة على كل ما تعنيه الدولة من تفاصيل، والعكس بالعكس.

2- ان وجود مؤسسات دينية وأنظمة قبليّة منذ مئات السنين في مجتمعاتنا، من المفترض ان يعمل باتجاه الحرص الشديد على الدولة وما تحتويه من بُنى تحتية وثروات، لأن هذه المؤسسات الدينية والقبليّة تظل متماسكة في أحلك الظروف وغالبا ما يدين لها بالولاء كل المنظوين تحتها.

من هنا تبرز اهمية التعاون والشعور المتبادَل بالمسؤولية والحرص بين (الحكومة والمجتمع) من اجل خلق دولة معافاة من جانب. ومن اجل تحديد واجبات وصلاحيات وحدود ومسؤوليات كل منهما تجاه الآخر من جانب ثان.

فكما ان من واجب الحكومة الأهم هو خلق مجتمع جماعي المسؤولية متماسك لا يفرّط بالدولة، خاصة اذا كانت مؤسساتها آتية بطريقة شرعية مصدرها الانتخابات الحرة النزيهة الكاملة غير المنقوصة، فإن المجتمع مدعو ايضاً بصورة اكبر للإلتزام بـ (أبجديات الاخلاق والتعايش السلمي) القائم على اساس احترام الاخرين وممتلكاتهم وإن كانت بإسم الدولة، وهذا لن يتم إلا اذا توفرت ارضية تفاهم مشتركة بين الطرفين تعتمد على أسس معيّنة تتسم بالعدالة والوضوح والحرص على الاخر، ومن هذه الأسس:

1- تنشيط دور المؤسسة الدينية التربوي الى المستوى الذي يشعر به المواطن بأنه يرتبط ارتباطا روحياً وثيقاً بالمفاهيم التي تطرحها هذه المؤسسة الحيوية ومنها مفاهيم الحرص على الوطن والمواطَنة، لأنه بحلول الروح الوطنية لن يبقى مكاناً للارواح الشريرة ان كانت من الداخل او الخارج.

وكذا تطوير مفاهيم الوطنية الحقّة لدى الأوساط القبلية ونقلها من مبدأ الفائدة المجرَّدة من الشعور بالمسؤولية الى واجب يسعى اليه كل فرد في القبيلة او العشيرة.

2- تفعيل دور منظمات المجتمع المدني ودفعها الى الواجهة الامامية من ناحية الحضور والمشاركة، بصفة مراقِب او متابِع او...، في كافة فعاليات ومؤتمرات ومقررات وخطط الحكومات المركزية والمحلية على السواء بإعتبارها مراكز فكر وعقول منتجة للأفكار التي يمكن ان تاخذ على عاتقها مسؤولية نشر الوعي الثقافي والحقوقي والانساني ومهام بناء الوطن..، ولا بأس هنا إن تلمَّسنا طريق التخصص ايضا، اي ان تكون هناك ارتباطات عمل مباشرة، فيما بين الوزارات والمنظمات المجتمعية ذات العلاقة، وبهذه الطريقة تضمن مؤسسات الدولة انتشار نشاطاتها الى اقصى حد ممكن بينما ياخذ المجتمع المدني المساحة التي يستطيع ان يتحرك بها بكامل حيويته ويؤدي رسالته على الوجه المطلوب..