المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 751

ثقافة الصنم أم صنمية التغيير؟!

رعد أحمد علي

( نحن مؤمنون بالتغيير .. ناقمون من التطبيق ) تلك أدق العبارات التي تتمركز حولها أحاديث الشارع العراقي بكل مستوياته .. وخاصة الطبقة العاملة في مجالات الفكر والأدب والإبداع ..

والتي تجمع بين جوانحها مرارة المرحلة السابقة بسنواتها العجاف من فلسفة الحروب والاستبداد ، والفساد بأشكاله المختلفة .. ومرارة المرحلة الحالية من تعميق لفلسفة الفوضى والإقصاء ، وثقافة الأصنام المتعددة، والأيقونات الفكرية المظلمة ذات المصالح الضيقة التي أتت على ما تبـقى من حلم وتفاؤل ٍ لدى الإنسان العراقي وهو يعيش أزمته بين المطرقة والسندان .. مطرقة الفوضى من الحاضر التي أباحت حُرمات الإنسان والدين ، والحياة بكل مفاصلها .. وسندان الماضي الذي حقق نظام الرعب والهلع ، والجوع والإذلال تحت رمق الظلم والعبودية للأصنام البشرية الجديدة .

. هكذا تعود دائرة الزّمان في خلد الفكر والإنسانية حيث اليباب يبتسم في كلِّ مكان ٍ وزمان ٍ ، ويلفُّ خارطة َ العراق ..

سـقوط الصَّـنم ..

ليس جديداً على التاريخ الإنساني قديما ً وحديثا ً سقوط الرموز السياسية والدينية .. ولكن ثمّة فارق بين سقوط شكلي ، وآخر جوهري .. ولعلَّ سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي يحدثنا القرآنُ الكريم بشجاعته التي كسّرت أصنام القوم الظالمين ، والتي حققت غضبا ً عارما من قبل المشركين عليه ، كان أن رُمي بالنار عقابا له ، وقد أنجاه الله بقدرته ... وكان تغييراً يمتلك عمقا إلهيا يقوده فردٌ واحد ( النبي ).

أما الحدث الثاني فهو ما شهدته مكة المكرمة يوم الفتح حين نجحت سياسة النبي (ص) في رؤيته الإلهية والقيادية أن يجعل من جماهير المسلمين وأهل مكة المبادرين بتكسير أصنام الكعبة بمشهد جاء تعبيراً للمشهد الفكري والوجداني الذي تشكـل في ذات المجتمع وثقافته آنذاك .. فكان الحدثُ يحمل عمقا إلهيا وجماهيريا ً استجابة للعهد الجديد من فلسفة الإسلام والتطبيق لما جاء ..

ولربّما شهد العالمُ الحديث خلال الحروب العالمية الكبرى أحداثا أُخرى لتكسير الأصنام لرموز ٍ قضتْ نحبها ، مثل سقوط المملكة الروسية ( القياصرة ) ، وسقوط رموز الشيوعية مثل ستالين ولينين .. وفي ألمانيا سقوط الرايخ ( هتلر ) ، ومثلها في رومانيا ... ولعل أقرب عهد لتلك الأصنام الساقطة ما حدث في بغداد مساء يوم 9 / 4 / 2003 م .

قد تشكِّل عملية سقوط الصّنم حدثا ً مهما ً في تاريخ الشعوب ونضالها ضد العبودية والتسلط .. ولكن الأهم في الحدث أن يكون السقوط تعبيراً جماهيرياً حقيقيا ً لرفض فلسفة الأصنام وثقافته ، وسياسته السابقة . وليس الوقوف على السقوط الصوري الشكلي للمشهد .. وكأنه الإنجاز المتناهي الكامل الذي يُوهم الجماهير بأنَّ التغيير قد حقق أعلى نقطة في وجوده وفلسفته ، وقدَّم أفضل ثماره ، وكأنْ ليس بعد ذلك من مطمح ٍ .. وحين يكون فهم التغيير بهذه الرؤية تبدأ الكارثة على الشعوب من جديد ، ويظهر صنمٌ آخرُ يفرض طقوسا ً جديدة ً على العباد والبلاد ِ .

إنّ أُولى مراحل التغيير الحقيقي في تاريخ الشعوب أن تنطلق رؤية الإصلاح ، والبناء المادي والفكري من الحدود الضيقة إلى المساحات الأوسع ، فهي رؤية تحتوي أفق المشهد الإنساني والاجتماعي والسياسي .. لأنّ أُولى مبررات التغيير تكمنُ في رفض التقوقع والانكماش عن الآخرين في آرائهم وحقوقهم ، ومعتقداتهم .. فلهذا ينبغي أن تتكسر بشكل حقيقي كل ّ موانع وعوائق الحدود السياسية والحزبية الضيقة أمام أفق الوطن وخارطته ، وأمام المواطن وحقوقه وواجباته في المواطنة.

كان المواطنُ العراقي في النظام السابق لا يشكل أكثر من رقم يُدرج في السّجلات ، وليس له قيمة الإنسان الحرّ الذي يعبر عن رأيه ، ومشاركته الفاعلة في الحياة ، وليس هناك قيمة حقيقية للحياة .. والآن يغدو المواطن العراقي بذات الحلقة المفرغة ، لا يعدو أن يشكِّل رقما ً حسابيا ً هامشيا ً تطارده قطع الظلام الهائمة هنا وهناك ، وتستبيح كلّ حُرماته وحياته دون استجابة أو غوث من منقذ أو مجيب .. وكلَّ ذلك تصنعه بقايا الأصنام المتكسرة في الماضي ، وأصنام الحاضر بجلجلتها وطائفيتها ، وولاءاتها الخارجية ، ومصالحها الحزبية والشخصية التي شكَّلت مجموعة من الطواغيت على رقاب الشعب العراقي .. أضف إلى ذلك دور دول الجوار والمنطقة في هذا المشهد المأساوي ، وتستمر المأساة على بلدنا العزيز كموج البحر دون توقف ٍ.

مؤسسات الدولة

مسكَ النظامُ السابق فلسفة الإخلاص والولاء للحزب الواحد ، والولاء للرموز القيادية ، وأعطى هذه الفلسفة أولوية في توزيع الوزارات ، والمناصب الإدارية إلى الأشخاص الموالين له بغض النظر عن كفاءتهم ومقدرتهم الفنية ، والعلمية في ذلك المجال . فكان الرفاق الحزبيون يسيطرون على إدارة البلد ، ولربّما تقلَّـد الشخص منهم أكثر من وزارة ، وأكثر من مسؤولية كبيرة .. والشواهد على ذلك ما زالت تحتفظ بها ذاكرة الشعب العراقي بكل وضوح . واليوم يستخدم دعاة التغيير ذات الفلسفة نفسها في تحقيق الولاء الحزبي ، والطائفي مقياسا ً لتسلم المناصب القيادية في الحكومات التي مرّت بالعراق بعد عام 2003م بغض النظر عن كفاءة المسؤولية ووطنيته ، ومقدرته .. مع الفارق إنه كان في السابق حزبا ً واحدا ً شموليا ً ، والآن غدت الأحزاب الكثيرة تحقق نفس الفلسفة السابقة في الولاء للحزب والقائد قبل الوطن والمواطن ، وأصبحت الوزارة تبعا ً لطائفة الوزير ، وأصبحت المؤسسة تبعا لدين رئيسها .. يأتي بمن يراه مناسبا ً لمزاجه ، وبما يدعم تقوية كرسيه ، ومكتسباته ومخصصاته .. فكم من وزارة أصبحت ذات غالبية طائفية ، أو قومية أو .. وذلك لا يغيب عن قناعة المواطن البسيط في المشهد السياسي الحاضر .

هرم القاعدة .. وقاعدة الهرم

بعد مرور خمس سنوات على التغيير والاحتلال .. يمكن أن نقول باطمئنان كبير أن الذين كانوا متلهثين لتحقيق التغيير (الحُـلم ) ضد العهد السابق أصبحوا الآن ينتقدون الواقع السياسي أكثر من الآخرين . ليس لأنهم لا يؤمنون بالتغيير .. وإنما لأنّهم وجدوا التغيير قد انحرف كثيرا ًعن جادتهِ الحقيقية ، وجوهره الوطني والإنساني أمام الشعب .. ورغم ما يقال عن إنجاز متحقق يشار إليه بالنجاح في بعض الميادين .. إلاّ أن هذا النجاح لم يكن بمستوى أبسط الطموح ، ولم يرتق ِ إلى مستوى المنقذ لمأساة الوطن ، إن لم يكن صانعا ً لها .. ، لاسيما حين تنظر إلى المتاجرين بالدين في خطابه الطائفي ،ومأساة الشعب في الدماء ، والحزن والحرمان ، والخدمات شبه المعدومة.. تراهم على الأغلب يرتدون ذات الثقافة الاقصائية ، والطائفية والشخصية ، والحزبية ، والفساد بكل ّ أنواعه التي عانى الشعبُ منها الويلات في النظام السابق . تراها شاخصة إليك بكلّ أثقالها ، وأسمالها ووحشيتها .. حين تشعر بأن التغيير جاء ليعطي ظهره مرةًً أخرى لأبناء الشعب، والجماهير المغلوبة البسيطة ، ولربَّما أصبح همَّـة الأكبر أن يزيد الثراء والتخمة ً لقلـَّـة ٍ من الأشخاص كانوا قبل برهة ٍ من الزَّمن يدَّعون أنهم ممثلي الشعب في الحرية والانعتاق ضد الديكتاتورية والاستعباد .. هم أنفسهم أو على الأقل الكثير منهم باعوا ثوابت الجماهير من أجل فئته وخاصته ، واسترخصوا الوطن من أجل حارتهم ، وزقاقهم الصغير .. دون اكتراث لمصلحة العراق الواحد وسيادته .. يعتمدون في ذلك على أساليب الكذب والتحريض مثل أساليب المرحلة السابقة من الخطاب القومي المنتفخ ، والخطاب الطائفي الضيق ، وأساليب التدليس وسرقة أموال الشعب ، والترهيب .. فكلّ شيءٍ يتعلق بمصلحة الوطن الواحد معطـَّـلة ، وكلّ ما يتعلق بمصلحة المـــــواطن وعيشه وحقوقه يتعثـَّـر ويتثاقل كخدمات (الكهرباء ، والوقود ، والأمن ، والمخصصات، والصحة ، والتعليم ، .. ) والقائمة تطول وتطول بينما تُـنفـّذ رغبات الطبقة الحاكمة والسياسيين بلمح من البصر وفوق القانون .. هكذا يتحول التغيير أداة ً لمصالح الطبقة الأرستقراطية على حساب الشـــعب المقهور وجراحه وصراخه ِ التي كانت قبل قليل زغاريدَ الفرح والاستبشار بوليد قادم اسمه (التغيير) وصراخه ..

ويبزغ السؤال من دياجير هذه المأساة يفرض نفسه قائلا ً ما الفرقُ بين المواطن الذي فقد كلّ شيءٍ في زمن النظام السابق ، والمواطن الذي لا يملك أيَّ شيء ٍ في الوقت الحاضر ؟! سوى مشاهد الدَّمار والفقر والحزن والحرمان .. هكذا بدأ الخوف الحقيقي يأخذ مساحة كبيرة في ذات كلِّ مواطن عراقي، وكلّ من يؤمن بالتغيير بأن معاني الديكتاتورية والتسلط والاستعباد ، والفساد بكلّ أنواعه وأشكاله ، ونسيان الشعب في قيمته وحقوقه ، وتعطيل الحوار..

أصبح كلّ ذلك حقيقة التغيير في سلوكه ومظهره ، ناسيا ً أو متناسيا ً شعاراته في الديمقراطية ، وحرية التعبير ، والحياة الكريمة ، وسيادة الوطن.. لا نتمنى أن تفهم صراحتنا هذه على أنها رجما ً مبالغا ً في توصيف الواقع العراقي ، أو غاية ً مريضة ً ضد التغيير ومعانيه ، أو ثمنا ً رخيصا ً كبعض الأقلام المأجورة .. وإنما صدقا ً في تنبيه التغيير ورجالاته وأحزابه بما أصبحوا عليه ، وأدبا ً وعهدا ً لمعاناة العراقيين في رسمها والتعبير عنها ، وخوفا ً حقيقيا ً على التغيير أن لا يصبح كابوسا ً على الوطن بعد أن كان حلما ً يتغنَّـى به ... متذكرين قول الشاعر:

لـَعَمْرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهْلِها ولكنَ أخـْلاقَ الرِّجال تضيقُ