المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 727

حيرة اليراع ومنهج الضياع...!

د. مراد الصوادقي

الكتابة علم وبحث وفن ووسيلة للفهم والتوصل إلى جوهر الإدراك, وعندما تنسلخ من أدواتها وآلة سعيها ومغزى سطورها تتحول إلى شيء آخر لا يمكن أن ينتمي إلى فن الكتابة وصنعتها, خصوصا حينما تكون الكلمات معبرة عن الانفعال المنطلق من عرين العواطف السالبة.

وما يجلب الحيرة لليراع أن الكتابة أحيانا يتم قراءتها بعيون السلب وتأويلها بمنهج آخر, فتستغرب من ردودٍ على كتابات لا تحسب أن كاتبها قد قرأ ما أراد الرد عليه , وإنما الموضوع المكتوب قد أثار فيه شيئا يرغب قوله, أو كان كامنا في نفسه فأطلقته الكلمات التي (قرأها). وهذا التفاعل السلبي يبدو واضحا من خلال نظرة متأملة للكلام المكتوب والردود عليه. وبعض الكتاب يبرر ذلك بقلة المعرفة بأصول التخاطب والتفاعل الحضاري , وغيرها من الأسباب التي يراد ربطها بالأمية والجهل. لكن واقع الحال يشير إلى غير ذلك . فنحن لسنا شعوبا جاهلة أو أمية كما يحلو للبعض أن يصفنا , خصوصا إذا ما قارنا شريحة اجتماعية من بلداننا بشريحة من بلدان أخرى , فسنجد أن نظرية الجهل والأمية ليست صحيحة , وإنما نظرية التأخر هي الأصح والأكثر قدرة على تفسير الفرق ما بين الحالتين. والتأخر لا يعني الأمية والجهل وإنما عدم استغلال الزمن بما يحقق اللحاق بالآخر.

وعندما نعود إلى حيرة اليراع , نرى أن عامل التأخر يفعل كثيرا في عملية التفاعل ما بين الكاتب والمتلقي في المجتمع العربي. فترى الكاتب الذي يطرح موضوعات مبنية على العقلانية والهدوء والمنطق المناسب يواجَه بزوابع انفعالية ذات كلمات حادة وقاسية أحيانا, وهي لا تتحدث عن موضوع الكتابة المشار إليها , وإنما عن موضوع آخر أثارته الكلمات المكتوبة , فكتب الرد وما عبر عن فكره وجهده الحضاري المتقدم , في التفاعل مع الأفكار بأسلوب علمي وبمحاجة منطقية ذات قيمة معرفية. ونرى العديد من الردود وكأنها تفاعلات شخصية وليست فكرية وأدبية ذات تأثير خلاق في تنمية العقل والثقافة. بينما الردود في العالم المتقدم تكون متفاعلة مع فحوى الكلام ومعانية , وتستهدف الفكرة بقوة الحجة والبرهان لتؤكدها أو تنقضها , وبذلك تتحقق الإضافات الفكرية والمعرفية التي يمكنها أن تنمو وتتطور.

وقد يعاني معظم الكتاب من بعض الردود المنفعلة والتي لا شأن لها بما يكتبون , بقدر تعبيرها عن صفة مشتركة في اقترابنا من الموضوعات جميعها في حياتنا. فنحن نقترب من الأشياء بصفة العارف الخبير ولا نعرف الاقتراب البحثي الذي يؤدي إلى الفهم والزيادة , بل نجنح إلى اقتراب الانتقاص والأذى, وكأننا نتلذذ فيه ونكره الرحمة والعرفان. فترانا نتناسى جهد الكاتب وبحثه ووقته , وننهال عليه بأدوات الغضب المحتقن الذي يجرد الكلام من مسوغات المعنى وأصول الكتابة, وبهذا يتداخل في نفوسنا شعور الإنجاز والفتح الكبير.

فعندما يكتب الكاتب بلغة الأمل , يُحسب ما يكتبه نوع من أحلام اليقظة والخطابية ويهاجم بكلمات تبرر ضرورة التدثر بالظلام, وعندما يكتب عن اليأس يجابه بالأمل وبأنه لا يجوز له أن يكتب هكذا لأنه يتسبب بأضرار نفسية سيئة.

وفي هذا تظهر ملامح مأزق حضاري بحاجة إلى وقفة شاملة ومعمقة. فعندنا حالة خوف شديد من الأمل ثنائي الاتجاه , كما أن الخروج من صندوق الأحزان وقفص الظلام أمر نخشى تحقيقه, ونريد من الأجيال أن تقضي رحلتها التعيسة فيه.

ألسنا نعيش في صندوق؟

تساؤل يبدو مشروعا أمام هذا العجز عن الخروج من مستنقعات اليأس والأحزان والنزيف, وإصابة الكثير منا بالهلع إذا أراد أحدنا أن يتحدث بلغة أخرى ويخاطب النور والضياء ويؤمن بالأمل والتفاؤل والبقاء والرقاء. وهذا ناجم عن فقداننا للثقة بأنفسنا وبمستقبلنا , بسبب الزعزعة المتواصلة لأركان وجودنا وتوفير عوامل الإحباط المتلاحقة والتي تساهم كثيرا بمصادرة البصيرة وتنمية الانفعال. كما أننا مرعوبون حضاريا ونرتعش من شدة الخوف الحضاري الذي نحسبه سيؤدي إلى انقراضنا, مما يدفعنا إلى أن نتعامل مع الأيام بانفعال فائق. ونحسب أننا نجهل مفردات الكينونة المعاصرة ونعدها أبعد من الخيال ومن أخوات المستحيلات الكثيرة والمتنامية دوما في مجتمعنا.

ولهذا فما أن تكتب عن الأمل حتى تجابهك أقلام الرفض والخوف والتسويغ المضاد, التي لا تريد أن تبكي ولا تريد أن تفرح, ولا تريد ما لا تريد, فهي لا تعرف ما تريد, لأنها في صراع أهوى ولا أهوى الأليم. وتلك مصيبة أمة بكاملها وعلى مدى قرن صعب , ما استطاعت فيه أن تشق طريقها مثلما شقت باقي الأمم مسيراتها وعبرت عن دورها وطاقاتها في الحياة. فتراها تائهة في عدم معرفتها بما تريد إلا ما شذ ونبا. فقد أرادت فلسطين وما عرفت الطريق إليها وأرادت الوحدة وما تمكنت منها بل سعت إلى غيرها. فهي دائما تنحاز إلى ضد ما تريد وإلى عكس ما تظهره بأقوالها من أهداف ومشاريع. فما تنجزه فوق الأرض يناقض تماما شعاراتها ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

أمة لا تعرف ما تريد ولهذا يحقق الآخر فيها ما يريد.

وهذه العلة الحضارية السرطانية العسيرة تظهر في تعليقات أبنائها على كتابات أبنائها, فهم يجسدون هذا المأزق ومنهج الضياع بوضوح وتفصيل, وحسبهم قالوا وما فعلوا, لأن الأفعال من المحرمات. أما الأقوال فما أكثرها وما أرخص بضاعة الكلام في أمة تحارب تأريخها وتأبى مقامها. أمة لا تعيش بسلام مع عناصر وجودها وتألقها وإنما هي في خصام متعاظم وتفاعل مأسوي أليم مع أسباب صيرورتها.

لكن الأمل والتفاؤل يبقيان منهج الحياة والتقدم وهما اللذان يوفران الطاقة اللازمة للخروج من صندوق اليأس . فاكتبوا أيها المبدعون بيراع الأمل والتفاؤل والإصرار حتى تتهاوى جدران الظلام , وينهزم اليأس من العقول والقلوب والنفوس , فتحقق الأمة وجودها ودورها الصحيح في الحياة وينعم أبناؤها بالقوة والسعادة والبهاء. فالتفاؤل طريقنا وصديقنا واليأس عدونا الأكبر الكبير. يا أمة عليها أن تنهر منهج الضياع الخطير, فتبا لكل من ينأى عن السماء ويتدثر بالحصير.

د.مراد الصوادقي

alsawadiqi@maktoob.com