المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 750

الحقيقة والتشويه في مشروع الاصلاح الحسيني

احمد جويد

مشروع الامام الحسين بن علي (عليه السلام) كان مشروعا دينيا واجتماعيا وسياسيا يستهدف اصلاح وتعديل مسيرة الامة الاسلامية وتقويمها، عبر اثارة الوعي وكشف الحجب عن العقول المغلقة، وهذا ما كان يفهمه جيداً اصحابه وانصاره وهو الذي دفعهم الى نصرته والوقوف الى جانبه، والتضحية بكل غال ونفيس في سبيله، وهو الامر ذاته الذي دفع رجلا مثل الحر الرياحي وهو من شجعان اهل الكوفة الى ترك معسكر ابن سعد ليلتحق بركب الحسين(عليه السلام) ومقولته المشهورة( اني أخير نفسي بين الجنة والنار، والله ما أختار على الجنة شيئاً ولو احرقت) حينما سأله أحد اصحابه لما رآه يرتجف وهو يقول ياحر (لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي ارى منك)، دليل على الفهم الكبير للمشروع الاصلاحي الذي يحمله الحسين (عليه السلام).

وكان من الطبيعي ان يجد هذا المشروع الاصلاحي الهادف مشروعا اخر يقاومه ويقف بوجه ويشكك في نيته وقدرته، مشروع تقليدي منحرف تقوده السلطة واتباعها وانصارها والنفعيون، يسخر كل قدراته وامكاناته ووسائله لحجب العقول وتشويه الحقائق وقلبها، فرغم ان الامام الحسين هو ابن الامام علي بن ابي طالب وامه فاطمة وجده رسول الله (صلوات الله عليهم)، وهو معروف بالتقوى والزهد والعلم و... الا ان السلطة الاموية لجأت الى مختلف الاساليب من اجل القضاء على هذا المشروع الاصلاحي، فصورت الحسين(ع) على انه شخص له عداوات قديمة مع ابناء عمومته، وله اطماع في السلطة، وهو خارج على زمانه وانه يجب قتال الخوارج على طاعة الامام المفترض الطاعة (يزيد)!! واستطاعت السلطة الاموية شراء بعض الذمم لرجال دين وقضاة مسلمين يفتون لهم من اجل اقناع الطغاة والظالمين ليصل الامر الى استباحة دماء الابرياء بتلك الفتاوى كما استبيح دم الامام الحسين عليه السلام واصحابه واهل بيته.

ولكن الفعل الاهم الذي قام به اعلام السلطة الحاكمة هو اخفاء الحقائق، وتضليل ابناء الامة، لاسيما اولئك الذين كانوا يقاتلون في صفوف جيش السلطة، فما حدث يوم عاشوراء في طف كربلاء، هو ان الكثير من الذين حضروا الواقعة، كانوا لايعرفون حقيقة مايقدمون عليه من فعل تزول له الجبال وتغور من هوله البحار ويندى له جبين الانسانية، وان تلك العقول لا تدرك، من هو الحسين، ولماذا قام بتلك النهضة رغم انه يستطيع ان يقعد مع من قعد كحال غيره من ابناء المهاجرين والانصار؟ وماهي حقيقة المشروع الحسيني الاصلاحي؟ ومن هو يزيد؟ وماهي حقيقة دوافعه لقتل الحسين عليه السلام؟ كل تلك الامور لايدركها الا اولو الالباب واصحاب العقول الراجحة الذين يفكرون بعقولهم ولابعواطفهم، والذين لايعتمدون على الاخرين في التفكير لهم امثال حبيب بن مظاهر الاسدي وزهير ابن القين ومسلم بن عوسجة والحر الرياحي الذي لم تغره المناصب ولا المكاسب الدنيوية، وترك كل ذلك الزيف والسراب الدنيوي لعمر بن سعد ولمن افتى بقتل الحسين طمعاً فيما وعدهم به طاغية عصرهم يزيد.

فحينما يرى رجل مثل الحسين بن علي (عليهما السلام) ان الرسالة السماوية سوف تتعرض الى خطر الانحراف نتيجة حب السلطة والرياسة من قبل بني أمية، كان لزاماً عليه وانطلاقاً من واجبه الشرعي ان ينهض بالامة للتصدي الى مثل هكذا مشروع، وحقيقة تلك النهضة، هي طلب الاصلاح في امة تسلطت عليها اشرارها واقصيت خيارها وسادها الباطل، ولانها صراع بين الاستقامة والانحراف، بين الحق والباطل، بين المبدأ واللامبدأ، فعلينا ان نلتزم دائما جانب الحق والخير والفضيلة في هذا الصراع، ففي خروجه( عليه السلام) بأهل بيته الكرام (ع) للوقوف بوجه اتباع العقيدة الاموية القائمة على تحويل الدين الى سلعة ووسيلة للوصول الى غايات دنيئة تأخذ في حسبانها سياسة الربح والخسارة من دون اقامة اي وزن للتعاليم الروحية وللمبادئ الاخلاقية السامية التي جاءت بها الرسالة السماوية وارادت ان يتحلى بها كل انسان على وجه البسيطة.

لقد اراد الامام الحسين(ع) كما يقول الامام الشيرازي(قد): ان ينتشل الامة من الحضيض الذي اركست فيه الى العز، وذلك عندما رضيت الامة الاسلامية بواقعها المتردي، المتمثل بالخمول، والركون الى الدنيا، والسكوت على الظلم، وتسلط الظالمين من امثال يزيد وابيه واضرابه، فاراد الامام الحسين( ع) ان يبث روح الايمان والحق فيها لتنهض من جديد، كما كانت في عهد رسول الله(ص).

فالمشروع الاصلاحي الذي تحمله نهضة الحسين عليه السلام لايمكن ان تدركه العقول التي رضي اصحابها بذل السلطان بسبب قصر فكرهم ونظرهم، فكما اراد اسلافهم القضاء على الاسلام في بدايته بحجة ان الالهة المتعددين سوف يجلبون لهم التجارة والمال والسلطة بعكس الاله الواحد الذي لايرونه، دليل على عدم استيعاب تلك العقول لدعوة الاصلاح التي جعلت منهم فيما بعد اسياد العرب والعجم، فقد كرر احفادهم الامر نفسه مع النهضة الحسينية والتي بمجرد القضاء على رمزها من قبل اتباع السلطة الاموية ـ في طف كربلاء ـ انقلبت عليهم تلك السلطة لتريهم الذل والهوان الذي ارتضوه لانفسهم بقتل ابن بنت نبيهم ومن اراد لهم ان يعيشوا بكرامة وعزة، وهذا هو حال الامم التي تناصر المفسدين على المصلحين.

وانه (عليه السلام) لم يقتل لانه لم يبايع يزيد لانه من بني هاشم وحفيد الرسول( صلى الله عليه واله وسلم) فقط، بل لانه اراد الاصلاح في هذه الامة والحفاظ على قبلة المسلمين ومقدساتهم، ووحدتهم ، قتل لانه يريد ان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والفجور، ولذلك فان قتل الحسين كان قتلا للكعبة وللقرآن بل قتل لرسول الله ودينه، فحسين من رسول الله ورسول الله من الحسين، كما قال النبي الاعظم( ص).

فما يحيط بالامة اليوم من مخاطر جمة يستدعي الى نهضة اصلاحية كبيرة وشاملة، الامر الذي يوجب علينا ان نكون على مستوى الوعي والادراك لجميع الفتن التي يحاول البعض اثارتها لحجب الناس وافكارهم ومحاولة التشويش وتشويه الحقائق، وان نبدأ اولا بأنفسنا في بناء الفرد المسلم والشخصية المسلمة وفق ما اراده الله سبحانه وتعالى منا، وان ننتهج نهجاً عقلانيا لبناء الاساس الصالح لان الباطل والفكر المنحرف المتمثل باتباع آل امية من النواصب والتكفيريين لايزال يتربص بكل ما من شأنه ان يمت الى النبي وآله بأدنى صلة ولم ينته بمصرع الامام الحسين( سلام الله عليه) وانما بقي يلاحق جميع اثار تلك النهضة وبجميع الوسائل، حيث يستمر التشكيك بتلك النهضة المباركة تمهيداً للتشكيك بنهضة المصلح الذي تنتظره

البشرية والذي بشر به النبي(ص) وهو الامام المهدي(عج).