المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 516

فكرة المجتمع في خيال الدولة وأجهزتها

كريم عبد

يُميّز المجتمع، بصفته وجوداً بشرياً داخل إطار دولة معينة، نسيجُ علاقاتٍ ومصالح وتعددية ثقافية وقيم معينة، وإستناداً لكل ذلك، نجد أن لكلِّ مجتمع شخصية عامة وتاريخاً يميزه بهذه الدرجة أو تلك عن المجتمعات الأخرى. أن هذا الوجود الإجتماعي يتحرك ويتطور من خلال نسيج علاقات مرئية وغير مرئية، لا يمكن ضبطها أو السيطرة عليها - على عكس ما تتصوره دولة الأجهزة - لأن العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية التي تتحكم بإنتاج الظواهر الاجتماعية المختلفة، تعمل وفقاً لآليات وقوانين التطور التي لا يمكن لأي شخص أو حكومة أن تكيفها وفقاً لما تريد، بل إن ما يحدث عادة، في النظم الديمقراطية حيث الحدود تكون واضحة بين الدولة وبين المجتمع المدني، هو العكس تماماً.

أي أن السلطات والجهات المعنية تضع برامجها وفقاً وتماشياً مع الطبيعة الموضوعية لتطور تلك الظواهر الاجتماعية المتداخلة والتي تولد وتتجدد مع كل جيل جديد. وهذا هو أحد الفروق الأساسية بين الدولة الديمقراطية المتطورة وبين الدولة المتخلفة. إستناداً إلى هذه الحقيقة، أي حقيقة عدم إمكانية السيطرة على المجتمع وإخضاعه والتحكم بمصيره من قبل فئة سياسية معينة، ومع تطور الدولة المعاصرة والحياة الحديثة عموماً، فقد تأكد فشل مشروع الإستبداد تاريخياً، بدءاً من نظرية المستبد العادل مروراً بسلطة الحزب الواحد وليس إنتهاءً بالحكم الديكتاتوري المطلق. إن دولة الأجهزة الأمنية التي تتحكم بمصير المجتمع في العديد من الدول العربية، تعتمد أساساً على ثقافة فاشلة تاريخياً، فوجود الأجهزة الأمنية والاستخبارية بهذه الموازنات الكبيرة والسعة الملحوظة، هو بحد ذاته دليل على هذا الفشل. إن الحاكم يعرف هذه الحقيقة تماماً، أي يُدرك أنها جزء من وجود فاشل، ولذلك فهو يعتمد على هذه الأجهزة لتعميم الفشل على المجتمع، لتحويل الفشل إلى ثقافة عامة وإجبار المجتمع على التعايش معه !! وهذا هو المعنى الحقيقي للإنحطاط.

ولكن كيف يحدث ذلك ؟ إذا كان الاستبداد يمثل رغبةً مريضةً بالسيطرة على الآخرين والتحكم بمصائرهم، فإن تخلف الرؤية السياسية الرسمية، أو محدوديتها أو ضيق أفقها في هذا النمط من الدول، ينشأ من طبيعة الإستبداد ذاتها. إن ظاهرة الاستبداد لا تهبط علينا من كوكب مجهول، بل هي نتيجة لتراكم الأزمات الاجتماعية والسياسية التي لا تجد حلاً عملياً في وقتها، بسبب طبيعة الظرف التاريخي الذي أنتجها، عندها تطبع الأزمةُ ذاتها الثقافةَ الاجتماعية والسياسية بطابعها، فيصبح الجميع تقريباً يفكر بطريقة مأزومة أو تحت وطأة الأزمة - لاحظ الحالة الراهنة في العراق ولبنان مثلاً - عند هذه النقطة تنشأ وتترعرع، أو تتكرس، ظاهرة الأحزاب الإنقلابية أو الثورية التي تعتقد بإمكانية تغيير الواقع بالقرارات السريعة والحاسمة !! لذلك فهي أحزاب أزمة وليست أحزاب حل، لأنها مولودة من رحم الأزمة، أنها متخلفة حقوقياً وثقافياً (بالوراثة) ، فهي عندما تنتقل من المعارضة إلى السلطة تنقل معها أزمتها إلى أروقة الدولة لتقوم الأجهزة لاحقاً بإعادة تعميم ثقافة الأزمة على المجتمع ولكن بشكل رسمي منظم هذا المرة ، لاحظ (عراق صدام) أو (سوريا الأسد) أو (ليبيا القذافي) حيث تم تهميش التعددية السياسية وألغيت فكرة التبادل السلمي للسلطة، فأصبح العيش تحت وطأة الأزمة وكأنه قدرٌ لا مرد له، ناهيك عن تحول هذه البلدان إلى ملكيات خاصة للحكام، ومن هنا نشأت ظاهرة الجمهورية الوراثية، كتعبير عن الاحتقار المطلق لحرمة المجتمع وحقوقه.

لذلك نجد هذا النمط من الدول، بخلاف دولة القانون، تمنح أجهزتها الأمنية سلطة مطلقة على المجتمع، فتصبح تلك السلطة فوق القانون والأعراف الاجتماعية، إذ يصبح بيدها مصير المجتمع لأنها مسؤولة عن أمن النظام الحاكم، نظام الحزب الواحد الذي سرعان ما يتحول إلى نظام الرجل الواحد، عندها يتوسع معنى (الأجهزة) فيشمل جملة النقابات والمنظمات المهنية، التي تتخلى عن صفتها الحقوقية بإعتبارها (منظمات مجتمع مدني) لتتحول إلى منظمات شبه رسمية تديرها أجهزة حزبية خاضعة للأجهزة الأمنية مباشرة، إذ تصبح مهمة تلك المنظمات المساهمة في ضبط الإيقاع السياسي للمجتمع، عبر عملية تدجين ثقافية مدروسة لتوجيه رأي (الجماهير) والتحكم بها لتوحيد صفوفها وراء الرئيس القائد، وتبعاً لذلك يتحول أسمها من (منظمات مجتمع مدني) إلى (منظمات جماهيرية)، وبهذا تتوسع العملية ( الإنقلابية) وتنتقل طبيعتها العسكرية من الهيمنة على الدولة بالدبابات إلى الهيمنة على المجتمع عبر الأجهزة الأمنية و المنظمات الجماهيرية، ما يؤدي إلى مزيد من التشوهات الأخلاقية والثقافية، لأن تلك الأجهزة والمنظمات تحتاج باستمرار إلى آلاف من الإنتهازيين والمنتفعين لإدارتها والتنافس على إمتيازاتها، حيث يتحول هؤلاء بدورهم إلى أحد معوقات التطور الديمقراطي المفترض.

لقد أقترنت ظاهرة دولة الأجهزة بالنظم الاستبدادية، حيث نكون أمام نموذج واضح لتخلف الثقافة الحقوقية التي تميز هذا النمط من الدول، فالحاكم لا يصبح ديكتاتوراً إلا بعد أن يصادر حقوق المواطنين المدنية والسياسية، لتصبح تلك الحقوق تحت تصرفه وحده، ومن هنا يأتي معنى القول أن مصير المواطنين أصبح بيد الدولة. وإذا أضفنا إلى ذلك ظاهرة الاقتصاد الموجَّه، وما يتركه من آثار سلبية على تطور البنية الاجتماعية، حيث تحل بيروقراطية الدولة محل الطبقة الوسطى المنتجة، لتصبح الدولة هي رب العمل الرئيسي، ونكون أمام صورة واضحة لهيمنة الدولة على المجتمع!.

ومن خلال هذا السياق، يتم إنتاج الأفكار الأساسية التي تُدار الدولة على ضوئها. وأساس تلك الأفكار هو أن المجتمع مجرد أفراد أو مجموعات أو فئات تمكن مراقبة حركتها والسيطرة عليها، أي إخضاعها بالقوة، فضمن هذه الرؤية لا تعترف دولة الأجهزة بالطاقات غير المحدودة، وغير المرئية بالضرورة، للمجتمع، أي تلك الطاقات التي تنشأ من التراكمات الثقافية والسياسية التي لا يمكن حسابها بدقة أو معرفة لحظة إنبثاقها وتحولها إلى ظواهر. وهنا تكمن إحدى نقاط ضعف هذه الدولة، حيث تُفاجأ عادةً بحدوث الانفجارات الاجتماعية على هيئة تمردات أو انتفاضات شعبية يصعب السيطرة عليها أحياناً، أو أنها سرعان ما تتحول إلى فضيحة سياسية تؤكد غباء الأجهزة الأمنية. في الدول الديمقراطية المتحضرة يمنح القانون نوعين من الحريات، الحريات الفردية والحريات العامة. هذه الحريات هي المناخ الذي تترعرع فيه الطاقات الاجتماعية الخلاقة المرئية وغير المرئية، حيث تكون تلك الحريات سبباً أساسياً لتطور المجتمع وازدهار نسقه الحضاري.

أن دور الأجهزة في دولة القانون هو حماية تلك الحريات، ودور الأجهزة في دولة الاستبداد هو مصادرة تلك الحريات، مصادرة روح المجتمع ومكامن تطوره، لأن تطور المجتمع يعني بالضرورة إنحسار سلطة الأجهزة الأمنية وانكشاف حقيقة الديكتاتور بصفته لصاً سياسياً، صادر حقوق المواطنين وحرياتهم كي لا يتمكنوا من قول الحقيقة، وبهذا المعنى فإن مهمة الأجهزة الأمنية هي قتل الحقيقة، أو قتل المواطنين أو أعتقالهم لأنهم يحملون تلك الحقيقة ويطالبون بحقهم المشروع بالعدالة. وتأكيد الحقيقة يعني نفياً لسلطة الديكتاتور وهيبته الزائفة. من هنا تأتي أهمية المثقفين في كشف الحقائق وتأكيدها للمواطنين، ومن هنا تأتي خطورتهم عندما يفعلون العكس.