المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 663

مرحبا بالعصبية تحت قبة البرلمان

سليـم الـوردي

تعدّ الموازنة العامة للدولة في بلدان العالم الديموقراطي واحدة من اهم المشاريع التي يناقشها البرلمان. لانها تمثل تعبيراً مكثفا لسياسة الدولة في تجلياتها المختلفة : الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. وغيرها

هذا فضلاً عن كشفها عن المركز المالي للدولة ( ما لها وما عليها ) خلال السنة المالية محل الموازنة. ولهذا تستغرق مناقشة الموازنة العامة في البرلمان وقتاً ليس بالقصير، نظراً لما تثيره من جدل بين الكتل البرلمانية حول اولويات الانفاق العام، ومصادر زيادة الايرادات العامة، وعجز الموازنة العامة ان وجد. وليس بالنادر ان تبدأ السنة المالية الجديدة، ولمّا يصادق البرلمان على موازنتها.

لم تمثل الموازنة العامة حدثا في الحياة السياسية للعراق الحديث، وتحولت في عهود الاستبداد الى وثيقة روتينية باهتة لا تسترعي اهتمام احد، ولا يكترث بها حتى واضعوها. واستمرت تداعيات هذه الموقف غير المكترث بالموازنة العامة الى موازنتي سنة 2005 و2006.

بيد ان الامر قد شهد انعطافة ملحوظة لدى مناقشة الموازنة العامة لسنة 2007، واستغرقت زهاء شهرين. ولم يقرّها مجلس النواب الا في الثلث الاخير من شهر شباط من السنة المالية 2007. وقد انتقد الكثير من الناس هذا التأخير. اما انا فلم آبه به اذ انشرح صدري للحدث. فلاول مرة في تأريخ العراق الحديث تحظى الموازنة العامة بهذا القدر من الاهتمام من لدن الكتل السياسية والرأي العام. واعدّ هذه الانعطافة مؤشراً طيباً يقربنا من اعتاب المجتمع المدني.

ثمة واقعة استرعت انتباهي في حينه : وهي الاعتراض على المبالغة في التخصيصات المعتمدة في الموازنة لرئاسة الجمهورية، والمطالبة بتخفيضها. امتعظت كتلة التحالف الكردستاني من هذا الاعتراض، واحتجت حتى بلغ بها الامر الانسحاب من قاعة المجلس. ولم ترجع الا بعد مساومات كان في مقدمتها : ان يقترن تخفيض تخصيصات رئيس الجمهورية بتخفيض مقابل في تخصيصات رئيس الوزراء. كانت رسالة المشهد واضحة : إن تصرّون على تخفيض تخصيصات \" صاحبنا \" رئيس الجمهورية، فلا بد من تخفيض تخصيصات \" صاحبكم \" رئيس الوزراء. ويبدو ان كتلة التحالف الكردستاني اضمرت الرد على كتلة الائتلاف الموحد الى مناقشة الموازنة لسنة 2008. وتصدت النائبة كاملة ابراهيم عن التحالف الكردستاني وفندت الذرائع التي رصدت الموازنة العامة بموجبها مئات ملايين الدولارات لرئيس الوزراء تحت تسمية \" نفقات سيادية \". فتصدى للرد عليها عن كتلة الائتلاف الموحد النائب عباس البياتي ودافع من دوافع ومسوّغات \" النفقات السياسية \" لرئيس الوزراء ( جريدة الصباح العدد 1274 في 8 / 12 / 2007).

ربما استنكر البعض هذا المشهد وعدوها تغليباً للتعصب الفئوي على الدافع الوطني في التعامل مع قضايا الشأن العام. اما انا فلم اجد في الامر غضاضة. فحين ننظر الى الظواهر العصبوية بعوينات واقعية سيهفت امتعاضنا. وندرك حينها ان النهوض بالمجتمع يتطلب بادئ ذي بدء الاعتراف بمعطيات واقعه وإن كانت تتقاطع مع الصورة التي نريد له ان يكون عليها. لقد تغلغلت العصبوية الى نسيج الاحزاب السياسية وضمنها تلك التي تلقب نفسها بالتقدمية، وتجدها في مفردات لغتها المتداولة : \"صاحبنا \" \" وجماعتنا \" \" وربعنا \"، وهي لا تختلف في حقيقة الامر عن : ابن طائفتي وعشيرتي ومدينتي ومحلتي. وقد كشف العلامة الراحل حنا بطاطو في كتابه القيّم عن العراق، كيف كانت الولاءات العصبوية تجد مسارب لها في الوصول الى قيادات الاحزاب والتيارات السياسية ( راجع كتاب حنا بطاطو \" العراق \" الكتاب الثالث، الصفحات 341، 342، 382).

نقل لي احد الاصدقاء من ان احدى الشخصيات الدينية المتنفذة نما الى سمعها ان الضابط المسؤول عن حراسته وحراسة المرقد الشريف يؤثر في تعيينه لرجال الحراسة اقربائه وجيرانه ومعارفه، فاستدعاه ليتبين حقيقة الامر. لم ينكر الضابط هذه المعلومة واكدّ لسماحة الشيخ انه لا يثق ولا يأتمن الا بمن يعرفهم من اقربائه وجيرانه ومعارفه.

يقال ان البرلمان في النظم الديموقراطية يعبر عن مصالح الشعب. وهي مقولة فضفاضة وعائمة. لان طبقات المجتمع وشرائحه ومؤسساته تنظر الى مصالح الشعب من زوايا مختلفة، وهو ما ينعكس ـ لدرجة او لاخرى ـ على رؤى ومواقف الكتل البرلمانية. وبهذا يعبر البرلمان عن اعراض تناقضات المجتمع وانقساماته التي تتفرع من تناقضه الاساس. هذا التناقض الذي عتّم عليه مشروعنا السياسي 1921 ـ 2003. وراحت فصائله تخضع تناقضات المجتمع العراقي لمخططاتها الايديولوجية المغتربة. فمرة كانت معادلات الصراع الطبقي تحكم الرؤية الى تناقضاته، وهومجتمع لم تتبلور فيه معالم الصراع الطبقي بوصفها مهماز حراكه. وخاصة حين موّه عليها الاستبداد النفطي، وحال دون ان تفصح عن نفسها. اما التيار القومي فكان يرى التناقض الاساس بين القوى الوحدوية من جهة وقوى التشظي وعلى رأسها ”الشعوبية“ من جهة اخرى. ومن المفارقة ان القوى الوحدوية ( والسلطوية منها خصوصاً ) كانت تعجّ باعراض التشظي العصبوي بتجلياتها المختلفة : المناطقية والطائفية والعشائرية والاسرية. اما اليوم فيطالعنا المنظرون الجدد ليروجوا لاطروحة التناقض بين الاسلام السياسي والعلمانية.

ان الصراع الهادر الذي وسم مسيرة المشروع السياسي 1921 ـ 2003 ولا يزال. هو بين مؤسسات المجتمع العصبوي : الطائفية والمناطقية والعشائرية من جانب واستحقاقات المجتمع المدني من جانب آخر. وليس بالامر المعيب ان تتجلّى معطيات هذا التناقض على مسرح مجلس النوّاب وعلى رؤوس الاشهاد. وهذا هو مضمون الديموقراطية والشفافية. وانا ضد النصيحة التي تشير علينا بإن لا ننشر غسيلنا الرث فنكشف عن ضعف حالنا. بل ادعو الى نشر الغسيل وإن كان رثا لتطهره شمس الديموقراطية. فلطالما عفنت وعطِنت تناقضات مجتمعنا وفسد نسيجه في ظل قمع وتكتم عهود الاستبداد عليها. وقد آن الآوان لأن نتخلى عن الدلالة المعجمية لمفردة \" التناقض \" وهو ما يعني \" الهدم \". ولنتثقف بالدلالات الفلسفية للمضمون الجدلي \" للتناقض \" بوصفه مهماز الحركة الى امام، اذا احسنت ادارته.

فأهلا وسهلاً بالتناقضات وهي تفصح عن نفسها تحت قبة الديموقراطية بدلا من ان تتفجر بصيغة الانقلابات العسكرية، او المعارك العصبوية، او الحروب الاهلية.