المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 814

لماذا هذا الحنق على العراق؟!

عباس راضي العامري

تعتبر العلاقات التي تحكم الدول فيما بينها من اهم ما يميز السياسة الخارجية لها وهي بالطبع سفير للنية الحسنة لكل شعب وحكومة لاعتبارها مفصلا ً مهما ً في الانفتاح على الاخر وبالتالي للتبادل معه فكريا ً وسياسيا ً واقتصاديا ً.. وتعتمد مثل هكذا علاقات على التركيبة النفسية والاخلاقية للمباشرين لها وعلى مرونتهم في التعاطي مع المقابل، ولكنها تبقى عرجاء اذا اقتصرت على بروتوكولات جامدة تتبادل فيها الاطراف ابتسامات صفراء لا واقع للجدية فيها...

شهدت العلاقات العراقية الاميركية تحولا ً كبيرا ً بعد (9/ 4 / 2003) على مستوى الثقة بالاخر واشتراك المصالح وتقارب الهدف الذي تمثل (الديمقراطية) وإرساء مبادئ (الحرية) و(العدالة) اهم مفرداته، وقد عد معظم المراقبين هذه العلاقة بـ(الممتازة) - بعد ان كانت علاقة (بغداد- واشنطن) قبل هذا التاريخ تتسم بالتشنج والشحناء والتهديد الدائم للمصالح وللشعب الاميركي من قبل صدام.. حتى شهدت فترة حكمه حربين راح ضحيتها عدد كبير من الشباب الاميركي والعراقي والكويتي.. اولهما حرب تحرير الكويت والثانية الاطاحة بنظام صدام الدكتاتوري الفاشستي..

وليس بعيدا جغرافيا ً عن العراق وتحديدا ً في (المملكة العربية السعودية) ان نجد علاقة اميركية من طرف واحد ؛ فمن ارض العربية السعودية تنطلق الفتاوى المحرضة على قتل العراقيين والاميركان على حد سواء وشرعنة سفك دمائهم وما فتاوى ابن جبرين ببعيدة عنا.. ومن جيوب مساجدهم تجبى الاموال لدعم (المجاهدين /القاعدة) وكذلك فقد فتحت ارقام حساب مصرفية لجمع الاموال لمحاربة العملية السياسية والقوات الاميركية في العراق وقد انتشر ذلك في فتح بنك الراجحي المصرفي حسابا ً خُصص لذلك.. كما ان فتوى الثمانين عالما ً في المملكة التي تحلل دم الشيعي ليس الا انتهاكا ً صارخا ً لحقوق الانسان ولابسط الحقوق منها وهو (حق الحياة)، وبين هذه المتاجرة الفتوائية وتاريخ الهجمات على الاراضي الشيعية في العراق نجد فصولا ً تراجيدية متواصلة فقد خطط الوهابيون ومنذ بناء الدولة السعودية الاولى الى الهجوم على كربلاء والنجف الأشرف وفعلا ً فقد غارت خيولهم مرات متعددة كان اخرها عند تشكيل الدولة السعودية الثالثة على عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن وسفكوا الدماء ونهبوا الاموال..

فيما تمثل حدود الجارة العربية منتجا ً ذا مواصفات عالية في القسوة وتفريخ صبيان حالمة بفردوس يجسرون الارواح العراقية الاميركية للوصول اليه ! واضعة امامها هدف تخريب المشروع الاميركي في العراق الذي تقوده اكثرية عراقية تعتبر اقلية في العالم الاسلامي (= الشيعة) وهي بذلك تريد ان تتخلص من منافس اجاد في تكوين علاقة جيدة مع الولايات المتحدة مما يضعف دور العربية السعودية كصاحب علاقة قديم وستراتيجي للولايات المتحدة.

وعلى المستوى الشعبي كشف العراقيون وعن طريق آليات متعددة عن ادراكهم للمشروع السياسي ومدى جديته في ارساء المفردات التي اشرت اليها في بداية الكلام (= الديمقراطية، الحرية والعدالة) والمؤشرات الخارجية التي اثبتت ما نقول عديدة، لعل التصويت على الدستور وانتخاب حكومة دائمة هما الابرز من بين هذه المؤشرات والتفاعل الكامل مع كل القضايا اليومية رغم قسوة الارهاب المرسل من خلف الحدود والذي تعبأ وتلبس فكر بن لادن (= السعودي الاصل) فوجد في بقايا الصداميين حاضنا ً وراعيا ً له لالتقائهم باكثر من نقطة تجمعهم منها البغض للاميركان وتكفيرهم الشيعة وحسرتهم على سقوط نظام كان يهدد امن اسرائيل بشكل متواصل(حسب ادعائهم).

ولنا ان نقابل اذا ً بين علاقة اميركية عمرها اكثر من 69 عاما ً مع العربية السعودية لنكتشف التفوق الكبير للعلاقة الاميركية العراقية على حساب الاولى، اذ ان طبيعة العلاقة السعودية الاميركية تتوقف عند حد الحاكم فقط.

فيما تعدت العراقية الاميركية ذلك لتصل الى علاقة للشعب فيها شراكة كبيرة فالمراقب للتحولات السياسية يجد رفضا ً شعبيا ً سعوديا ً، وصل الى الرفض المسلح وتفجير القواعد الاميركية في الظهران والخبر.ولكن صرامة جهاز الامن السعودي وشراسته في التعامل مع معارضيه - كما هو الحال في تصدية للمطالبين بحقوق المرأة وحقوق الاقليات وما شابه - جعل الكثير منهم يعمل بشكل مخفي ويخطط للقيام بعمل في اقرب فرصة، حتى وجدوا في العراق ساحة مفتوحة وحواضن تشترك مع ايديولوجيتهم الظلامية..

لا اعتقد ان الاسلوب الامثل للتعامل مع السعودية هو كثير من التنازل فان في ذلك تلبية لرغبتهم في اعادة معادلة القطب الواحد والحزب الواحد والحكومة المركزية المتسلطة على رقاب الجميع من الذين لا يؤمنون بالعمل الديمقراطي والذين اعتادوا التآمر من البعثيين السابقين.. فمطلبهم هذا لا يمثل طريقا ً للتوازن كما يدعون بل لاعادة تلك المعادلة الجائرة كما اسلفت.

وقد اساء كثيرا ً السفير الاميركي السابق في بغداد زلماي خليلزاد الى المشروع الديمقراطي في سمسرة واضحة دلل عليها زيادة العمليات الارهابية في فترة وجوده مما اضطر الاميركيين الى استدعاء اعداد جديدة من الجنود لتحقيق الامن