المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1054

عاشوراء والتشيّع... الزارع والحاصد !

حميد الشاكر

في كل بداية عام هجري قمري تطلّ علينا مناسبة العاشر من محرم الحرام وهي تتحول الى محور احتفالي للمسلمين المتشيعين لاهل بيت النبوة والرسالة بسبب تقارن هذه العشرة الايام الاولى من السنة الهجرية بمأساة استشهاد سبط الرسول محمد ص وسيد شباب اهل الجنة وابن علي بن ابي طالب ع وفاطمة بنت محمد ص الملقبة بالزهراء واخي الحسن بن علي والاب والامتداد النزولي لباقي أئمة اهل البيت من التسعة المعصومين من أئمة المسلمين الشيعة الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام جميعا، مع ثلة من اهل بيته واصحابه في واقعة كربلاء المشهورة على يد مجموعة من المجرمين والقتلة من زعماء بني امية ومن سار على نهجهم من باقي الموالين لزعامة المال والسلطان في ذاك العصر.

ولعل مايميز هذه الواقعة الكربلائية الحسينية عن غيرها من وقائع التاريخ المأساوية الكثيرة، ان هذه الواقعة شكلت محورا اساسيا لتغيير الحركة التاريخية للعالم الاسلامي من الداخل انذاك وحتى يومنا هذا، بعكس بعض الحوادث التاريخية او الكثير منها التي يكون مفعولها وارتداداتها الاجتماعية والانسانية والزمانية والمكانية محدودة القدرة على الاستمرار والحيوية في الفعل التاريخي والانساني، فهناك معارك طحنت العدد الاكبر من شهداء كربلاء، وهناك القصص والحكايات التي خلقت الاسطورية والروايات، وهناك التضحيات والدماء التي اغرقت الارض وامطرت السماء......، الا انها ومع ذالك لم تمتلك الدينامية الحركية الذاتية التي امتلكتها الثورة الحسينية في واقعة كربلاء الاسطورية، لتخلق في كل ان وكل زمان لحظة التجدد والتأثير الايدلوجية والانسانية والنفسية والروحية التي تنعكس على الزمان والمكان والانسان ومهما تغيرت الظروف والتواريخ بلحظة الحرارة والحياة والحركة والتقولب البشرية !. ياترى ماهو سر التجدد في العاشورائية الحسينية التي يهبها التوقد في كل عام وبنفس القوة والحيوية من التاثير والفعل الانساني الخطير ؟. وهل هو ارتباط هذه الثورة الاسلامية الحسينية بحوامل الفعل الالهي المقدس باعتبار انها معركة:((ثأر الله وابن ثأره)) ؟!.أم بسبب كون المتشيعة من المسلمين قد اجادوا في خدمة هذه القضية الكبرى واجتهدوا في احياءها كل عام لتثبت حضورها المأساوي في الوجدان الانساني القديم والحديث ؟.وهل الحسينية العاشورائية هي التي خلقت المتشيعة لها أم ان المتشيعة من انصار الفكر الحسيني هم اللذين خلقوا واحيوا عاشوراء الحسين ع ؟.

ليست هي تلك الجدلية المعقدة في الفكر الانساني بقدر ماهي نظرة تبحث عن التفاعل البنّاء بين المعركة الالهية الحسينية باعتبار انها ظاهرة اسلامية ملفتة للنظر، وبين كون المنتمين لهذه القصة من المتشيعة وبالفعل اجادوا الترتيب واحسنوا الادامة كي يحيوا وكل عام مأساة الحسين الشهيد ابا عبدالله العظيم عليه السلام ؟.

نعم من المنظور الالهي المقدس فأن ما يميز الثورة الحسينية انها ثورة انبنت على اسس الحق الالهي والمطالبة الشرعية والاصلاح الاسلامي الذي يهدف لارجاع ما انمحى من الرسالة الاسلامية الالهية الخالدة على يد الطغاة من بني امية، فأن مشروع الثورة الحسينية ومن خلال هذه الاهداف السامية تمتلك دينامية الهدف المتحرك قبل امتلاكها لاي شيئ اخر، فالمطالبة بالاصلاح وكذا تحري العدالة والحرية..... وكل هذه الاهداف الانسانية المرنة هي التي جعلت من الحسين القطب الاكبر الذي يجتذب بشمعته الثورية فراشاة الحب الالهي من الانسانية، لذالك كانت ولم تزل اهداف الحسين الشهيد ع هي هي نفس اهداف الرسالة الاسلامية المحمدية العلوية الخالدة التي نادت وبكل قوة بتحرير الانسان ونشر العدالة والمطالبة بالصلاح والنظافة للمجتمع وللدولة وللانسان وللكون !.

هنا تتبلور العاشورائية الحسينية كثورة الاهية حازمة وقوية على الظلم والظالمين والفساد والفاسدين والتفرعن والمتفرعين..... كثأر لله يمتد لثأر الله الاكبر علي بن ابي طالب ع الذي اقلق جدران الطغيان وشياطينه، وابواب الفساد وميادينه، واوكار الرذيلة وسواقيها، فكانت ولم تزل حرارة الثورة الحسينية تستمد وقودها من ثورة الله سبحانه والانبياء والرسل وثأرهم على كل المعاني والشعارات والتوجهات الشيطانية القبيحة والفرعونية المترمدة، والطاغوتية المعتقلة لمعاني التحرر والعدالة والمساواة بين الناس جميعا !.

كذالك فان شخصية الحسين ابن علي كحسين ابنا لمحمد الرسول ص وابنا لفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وابنا لعلي بن ابي طالب ع كون العلم والتقوى والاسرار واسرار الكون والعلم والتقوى، واخا للحسن المجتبى سبط الرسول الاعظم..... وباقي معاني السمو والرفعة في الايدلوجية الرسالية الاسلامية للحسين الشهيد، كل هذا طبع الثورة الحسينية بطابعها المختلف وبألوانها السحرية الغريبة عن باقي الثورات والنهضات البشرية الاخرى، فهو من جانب مسيح الله وتضحياته في استشهاده مظلوما، ومن جانب اخر ابراهيم التمرد والثورة لتقريبه القرابين الثمينة من ابناءه وعياله واطفاله، وثالثة هو محمد الرسول ص عندما لم يفكر بالمداهنة والتراجع، ورابعة هو الحسين بن علي مصباح الهدى وسفينة النجاة كما وصفه رسول الله محمد العظيم صلى الله عليه واله وسلم !.

نعم بالفعل:((ان الحسين ابن علي يخلق الثورة ولاتخلقه كل ثورات العالم في القديم وفي الحديث !.))

ولكننا ومن الجانب الاخر لشاطئ عاشوراء والتشيع نجد ان للمتشيعة من انصار الحسين الفعل الاخر لكفة الميزان المعادلة في خلق وادامة هذه الثورة الحسينية المباركة، وقد مثلت هذه الثلة من التشيع الاسلامي الخطير مفردة ((المطالبة)) التي تلاحق الحق لتحييه كلما مرت السنون وكلما جرت عاديات الطواغيت على خنق صوت العدالة والسماء !. هنا تتبلور كفة المسؤولية والتكليف من الله للانصار في احياء مشاعر الله والتي هي هي في انصهارها تماما بحركة الحسين ع وذكر ايامه الخالده سبحانه والتي هي هي يوم الحسين ونهضته، كما يعبر عنها احد احفاد الحسين الشهيد (عليه السلام) بمقولة ((احيوا امرنا)) !.

انها مسؤولية كبيرة وخطيرة ان تحيي المتشيعة أمر ال محمد ص لاسيما منها واقعة كربلاء الاسلامية المقدسة ؟.

ومنشأ خطرية احياء امر ال محمد ص بما فيها شعائر الثورة الحسينية تكمن في كون هذه الشعائر الاسلامية المحمدية هي وبحد ذاتها الخطر الاعظم على كل وضع سياسي انساني وايدلوجي ديني واجتماعي اقتصادي.... طاغوتي منحرف عاشته الامة الاسلامية في القديم وحتى العصر الحديث، فأول مفاعيلها الخطرة رفض شرعية الطاغوت والظلم في ادارة الحياة الاسلامية، وهذه النقطة بحد ذاتها نقطة مقلقة تماما لسلطان الزمان وقادة ساسته، ولذالك كانت ولم تزل الصدامات الدموية دائرة بين قواعد السلطان والظلم والتجبر من جهة وبين انصار الحسين وشعاراته النهضوية وحركته من الجانب الاخر وعلى مر الليالي والايام لا لشيئ الا لرغبة الطواغيت بعدم سماع او رؤية او لمس مفردة الحسين بن علي المقلقة تماما لكل طاغوت والتي تعني هي هي رفض الظلم والكفر بالطاغوت ونزع الشرعية والقداسة المفتعلة للوضع القائم !.

تمام: مثلت متشيعة الحسين ع من المسلمين رمزية لها طعم غريب في الاقتراب منها والبحث في هويتها وتوجهاتها العجيبة، فليس هناك اي اغراءات مادية تذكر تساعد على جذب انصارا للتشيع للحسين ع وثورته، باعتبار ان هذه الثورة ومن يحاول الانتماء لها سبب غضب عارم لاصحاب السلطان والثروة، بل هو - الانتماء - سبب نقمة لكثير من المسلمين انفسهم الذين يبتعدون او لايعرفون حقيقة الثورة الحسينية مما يجعل التشيع للحسين او الانتماء لعاشورائيته الثورية مشكلة قوية للمنتمين لمبادئها النهضوية، ولكن ومع عدم وجود اي اغراءات مادية سياسية او اجتماعية او اقتصادية تذكر نجد ان هناك من يتطوع لنصرة الحسين وثورته وبلا مبرر مادي يذكر !.

غريب: لماذا تضحي متشيعة الحسين بكل الامتيازات السياسية والاخرى الاقتصادية والثالثة الاجتماعية بين المسلمين وتفضل الانتصار لعاشوراء الحسين عليه السلام ؟.

يقال في معرض الاجابة ان الله هيئ قلوبا وارواحا وافكارا تهفوا للحسين واهل بيته وتنتصر لحقه ومشروعه الاسلامي في الحياة، لذالك جاءت دعوة ابراهيم الخليل عليه السلام حسينية المنطلق في قوله:((فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم)) انهم ال ابراهيم ع الذين هم انفسهم ال محمد العظيم ص ايضا، لهذا كان انصار الحسين ومتشيعة ثورته منشدين وجدانيا وقلبيا وعاطفيا لهذه الهرمية الحسينية وان لم يكونوا على اطلاع واسع بثورة الحسين ومبادئها وتعاليمها السامية !.

((انه - نعم - الحب هو الذي يحرق اصابع المتشيعة للحسين وبلا الم يذكر))

ان تعرض شيعة الحسين ع للالام الكبيرة وتحمل كياناتهم الصغيرة لشدة الضغوط الكبيرة، ومع ذالك هم دائمي التمسك باحياء الشعائر الحسينية، لهو من الظواهر الغريبة العجيبة في هذه الحياة الاسلامية الجديرة بالتأمل والتوقف امامها وبكل انصات وتفكر !.

انهم ليسوا انبياء ولا رسل ولااولياء ولا أئمة ولاعلماء.......الخ، ولكنهم المحور الذي يدور كلما اتى الزمان على عاشوراء ليذكروا بالحسين وثورته، وليجابهوا باجسادهم العارية غضب السلاطين ووعاظ دولهم وقسوة المعاندين وشدة سوطهم وحنق الجاهلين وسيفهم الذي لايرحم !.

ليس هناك من ينصر الحسين ويحيي ثورته غير هذه الثلة من المتشيعة والتي يبدو ان ليس هناك لوجودهم سبب يذكر غير تهيئة الله سبحانه لقلوبهم لتحمل مسؤولية الانتماء للثورة الحسينية هذه !.

انهم وبالحق محيوا عاشوراء الحسين ع ليحيا الحسين بهم ويحيون هم بالحسين، وليكونوا هم بذرة عاشوراء ويكون عاشوراء الحسين حصاد حرثهم !.