لقاءات 0 1005

المقاهي في كربلاء برلمانات شعبية …وجزء من تاريخ سياسي

img

تعتبر المقاهي في العراق عموما ومدينة كربلاء المقدسة خصوصا ذات طابع مميز لدى فئة كبيرة من المجمتع اضافة الى انها تعتبر البرلمان الشعبي لبعض المناطق والمحلات الشعبية في العراق، فإضافة الى كونها تقدم للجالس فيها خدمات تنحصر بتقديم الشاي والقهوة وبعض المشروبات الاخرى كالحامض والبيسي وبعض العصائر الاخرى فانها لعبت الدور الاساسي في الحياة السياسية والاجتماعية في العراق ومدينة كربلاءالمقدسة ، ففي المقهى يحلّ الكثير من العوائل الكربلائية مشاكلهم العائلية اوالمناطقية وكذلك المسائل المادية وليل المقهى في شهر رمضان المبارك يشهد جلسات واجتماعات خطابية وشعرية. وفي الأعم كان الناس يشتركون في هذه المجالس الودية حيث كانت المقاهي مركزاً اجتماعياً وثقافياً وأصبحت مدرسة لتنمية الهوايات الأدبية والفنية وتعليم الثقافة والأدب التقليدي والفلوكلور العام لكل مدينة عراقية .

المواطن الحاج ( عبد علي المنكوشي) يصف المقاهي في كربلاء بانها كانت ذات تأثير واسع على التطورات وتناقلها في المجتمع، فقد ملئت أوقات الفراغ وكان الناس يجتمعون في المقهى كل يوم بعد العمل وفي ساعات فراغهم ويتباحثون ويتكلمون حول نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وكان بعض المهنيين قد حوّلوا المقاهى إلى ملتقى لأصحاب مهنتهم، وعندما يجتمعون يتحدثون حول مشاكل العمل ويتشاورون في كيفيته فقد تخصصت بعض المقاهي في كربلاء باسماء المهن فكانت هنالك مقاهي خاصة للبنائين واخرى للقصابين ،ففي السابق كانت هنالك مقهى تقع في منطقة باب السلالمة تسمى مقهى حسين أبو شعير كانت ملتقى الفلاحين من أفراد العشائر القاطنة في تلك المحلة ، يتداولون فيها الشؤون الزراعية بالاضافة الى مقهى الصراف والتي تقع في منطقة المخيم وكانت تحاط بها من الداخل المرايا الكبيرة . يرتادها الوجوه والأعيان وأهل الفضل . وكانت على سعتها تزدحم بالناس لاسيما في مواسم الزيارات المخصوصة ، وقد عفى أثرها اليوم .

ويتابع الحاج ( عبد علي المنكوشي) البالغ من العمر (72) عاما ان المدينة كانت تحوي العشرات من المقاهي فعندما تريد ان تبحث عن شخص من اجل عمل خاص تذهب وتبحث عنه في المقهى التي يجتمع فيها اصحاب الحرفة التي يعملها ،مبينا ان الوجهاء والتجار في المدينة كانوا يجتمعون في مقهى تقع في سوق الخفافين او ما نسميه سوق (النعلجية) وتسمى مقهى أم المري يرتادها التجار وأصحاب المعامل وبعض الوجهاء. وهذه المقهى تم بناؤها على انقاض خان كبير ، وكانت مزينة بالمرايا من الداخل ،بالاضافة الى مقهى خان الباشا والذي يعتبر من المقاهي القديمة والتي اندثرت واصبح مكانها الحسينية الطهرانية الحالية التي تقع مقابل باب قاضي الحاجات احد ابواب الروضة الحسينية المقدسة وكان يرتادها المعمرون من خدمة الروضة الحسينية وبعض الكسبة \"

ابو كريم احد المعمرين من اهالي كربلاء وصف دور المقاهي في الحياة السياسية لمدينة الامام الحسين وما نتج عنها من مواجهات بين الاتراك واهالي المدينة البارز ففي سنة 1872م شهدت مقهى علي هدله أعنف معركة بين الكربلائيين وبين الأتراك قادها صاحب المقهى علي هدله من مقهاه الواقع قرب سوق الغزل (سوق الهرج سابقاً) وكان موقع السوق الذي يباع فيه الغزل آنذاك هو السوق المعروف بـ (سوق الساعجيه) الذي تهدم بسبب فتح شارع بين الحرمين . وقد خاض الرجل معركة ضد السلطة العثمانية المحلية \"

ويصف بعض الباحثين بشان التراث الكربلائي ان اول مقهى قد جلبت صندوق يغني كان مقهى السيد حسين الهندي : الواقع مقابل محطة القطار ، وهو أول من جلب الى مقهاه (صندوق يغني) الذي يسمى (گرام) أو (صندوق أبو البوري) . وكان الناس يستمعون الى اسطوانات الحاج يوسف كربلائي ومحمد القبانجي . ثم انتقلت المقهى الى قرب ساحة البلوش ـ شارع الامام علي حالياً ـ وكانت ذات حديقة جميلة تزينها الأشجار الباسقة ، ثم تحولت الى (المكتبة العامة) وأخيراً الى بناية حكومية .

لعبت المقاهي على مدى قرنين من حياتها أدواراً مختلفة بما يتناسب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة في كل فترة.

والمقاهي في هذا العصر قطعت كل حبال ارتباطها الثقافي مع القديم وسننه وأبعدوا منها جميع أسباب انتقال الحضارة والفن القديم كقرّاءة والمطالعة وكتابة الشعر لوجود مقاهي اخرى تتمتع بتكنلوجيا جديدة اسمها مقاهي الانترنيت التي تتابع بها اخبار الكرة الارضية ساعة بساعة حتى اصبحت المقاهي القديمة الموجودة الان في كربلاء عبارة عن اماكن استراحة ومكان لشرب استكان الشاي او الحامض او بعض المشروبات الاخرى

(علاء عمران ) شاب يبلغ من العمر 27 سنة قال أن المقاهي اليوم توفر فرصة راحة وجلوس لأي متعب ينشد الراحة وهي تعطي الجميع جوا من الألفة ويضع حدا لشعورهم بالملل والرتابة ففيه نلعب الدومنو ومشاهدة مباريات كأس الأمم الأوروبية التي تكون مشاهدتها أجمل جماعة.

معتبرا ان مقاهي الانترنيت تجعل الجالس فيها يطالع على ثقافة الشعوب الاخرى وهو في مكانه حيث ان الانسان اليوم لايحتاج الى المقهى التقليدي الا كمحطة استراحة فقط

معتبرا ان ارتياد مقهى الانترنيت مفيد للشباب اكثر من ارتياده للمقهى التقليدي من حيث حصوله على المعلومات لمواكبة العلم الحاصل في العالم والذي نشعر نحن كشباب وطلاب جامعات ودراسات اننا متأخرين عن الركب العالمي بعشرات السنين

ومن خلال ما لاحظناه في هذا التحقيق نعرف ان المقاهي التي كانت مركزاً لنشر وترويج الثقافة التقليدية والأعمال الأدبية والفنية والتي كان عملها الأساسي المهم تنظيم العلاقات والقيم الاجتماعية والحفاظ على الثقافة والتراث الوطني والإسلامي بين فئات المجتمع خاصة الشرائح المدنية، صارت مكاناً لشرب الشاي والنارجيلة والإفطار والغداء والاستراحة.

تيسير سعيد الاسدي