لقاءات 0 793

في كربلاء.. ما هي علاقة إيقاد الشموع بولادة الإمام المهدي؟!

img

ما هي علاقة الشموع بولادة الإمام المهدي؟! ولماذا يجتمع الزوار في ليلة الخامس عشر من شعبان في كربلاء الإمام الحسين عليه السلام وبالتحديد في مقام الإمام المهدي؟ وما هي علاقة ولادة المنتظر بزيارة الإمام الحسين عليه السلام؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عليها في هذا التحقيق الذي استطلعنا فيه آراء نخبة من شرائح المجتمع المختلفة، إيضاحا للقاريء الكريم للمناسك التي يؤديها وربما لم يعرف كنهها ولم يطلع على خفايا ممارساته التي كل ما يعرف عنها أنها تكريس وتفعيل للمحبة والمودة التي أمر بها من فبل الله تعالى في آية المودة، أو أنها من مصاديق تعظيم شعائر الله التي هي سمة المتقين، أو أنها من مداليل الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم كما ورد عن صادق العترة في ذكره لأتباعه ومحبيه، أي أن الأعم الأغلب من الزوار الكرام يدور مدار العموميات التي ذكرت من دون معرفة التفاصيل والعلل الحقيقية وراء ورود النص للترغيب في إقامة المراسم، التي ربما يشوبها عادات وتقاليد عرفية يحسبها أنها من صميم الدين ولكنها ليست منه، بالرغم من أن تفسيرها ربما يوحي أنها ليست بعيدة عن مسالك الهداية التي هي بحاجة إلى إضاءات ربما تكون الشموع إحدى دلالاتها.

بعد زيارة الإمام الحسين(ع) في ليلة النصف من شعبان التي ورد بشأنها روايات عديدة تؤكد على الإستحباب المؤكد لها ومنها... من أراد مصافحة أربعة وعشرين ألف نبي عليه زيارة الحسين في النصف من شعبان، بعد أداء الزيارة تتوافد الجموع الغفيرة من الزوار على ضفتي نهر صغير يقع عند مدخل المدينة الشمالي وهم يحملون الشموع المضيئة زرافات ووحدانا رجالا ونساء شيوخا وأطفالا مرددين هتافات وأهازيج الولاء والفرح يجوبون شوارع المدينة قبل أن يجتمعوا عند مقام الإمام المهدي ليرسلوا الشموع في مجرى النهر المحاذي للمقام بعد تثبيتها على قطعة من الخشب أو الفلين ضمانا لطوافها على الماء، في تقليد جميل توارثوه أبا عن جد، بادية على وجوههم مراسم الفرح والابتهاج، فيما يبدو هذا النهر الصغير كأنه يزدان بحلل من الأنوار، تدوم حتى الصباح بمنظر جميل رائع تبدو فيه أنوار الشموع تتأرجح بين أمواج النهر.

ربما أن الشمعة ترمز إلى الحياة المضيئة، لذا يستعملها اغلب الناس في أعياد الميلاد الخاصة بهم والمناسبات السعيدة، ولكون ولادة الحجة هي ولادة الأمل في نفوس المستضعفين، لذا تراهم يخرجون إلى الشوارع فرحا وابتهاجا لذكرى ولادته (ع) وهم يحملون هذه الشموع حتى الصباح.

وبطبيعة الحال أن الشمعة تحترق وتتألم ومادامت هي كذلك فإنها تبقى تشع نورا وضياء لإنارة الطريق أمام الآخرين، لعل هذه الخصلة في الشمعة هي التي دفعت المحبين من إيقادها في مواليد الأئمة ولا سيما ميلاد الإمام الحجة المنتظر، فإنه وكما ورد في الروايات يتألم عندما يبدر من كل مسلم خطأ ما، كما أنه يستبشر عندما يصدر الخير من كل واحد منا، وهكذا إنه كالشمعة يتألم من ذنوبنا ويقذف علينا من شآبيب أنواره الإلهية ليهدينا الصراط المستقيم بل ليهدي البشرية قاطبة لما يحمل من بهي الصفات وجمال السيرة والسلوك.

كربلاء... بلد الإمام الحسين عليه السلام، بلد البطولة والشهادة، بلد اختاره الأنبياء والأولياء موطئاً لهم، فهو موئل ٌ للكرامة والفداء ورمزٌ للنصر أمام الطغاة، فلذا ترى الزائرين فيه وقد جاؤوا من كلّ حدبٍ وصوب، وهم ما بين ذاكرٍ ومصلٍّ وباكٍ على المصاب الذي حلّ بواديها.

وبما أن الإمام المنتظر هو الذي يأخذ بثارات الحسين عليه السلام، وهو الذي يسير على نهجه القويم في إحقاق الحق ومحاربة الباطل وأهله ومقارعة الظالمين والأفاكين الذين يسعون لطمر الدين إرضاء لنزواتهم المريضة، لذلك فأن العلاقة وطيدة بين الإمام الحجة والإمام الحسين عليهما السلام في الأهداف السامية التي يضطلعون بها إحياء للدين وتكريسا للقيم النبيلة التي يدعون البشرية إليها، لعل العلاقة المهدوية الحسينية هي التي تجيش في النفوس مشاعر الولاء والمحبة إزاء أحدهما للآخر حيث أنهما من نور واحد يتحركان لتحقيق هدف واحد ألا وهو تحقيق الرسالة المحمدية الحقة في أرجاء المعمورة، وإرساء دعائم العدالة بين أبناء المجتمع الإنساني الذي هو بأمس الحاجة إليها في عصر قد ضاعت فيها القيم وانتهكت فيها المثل وتبعثرت فيها الفضيلة...

ويطلّ مقام الإمام المهدي حالياً من الجهة الأمامية على الشارع المسمّى بـ (شارع المنتظر)، مقابل مدخل (شارع السدرة) المنتهي إلى حرم الإمام الحسين عليه السلام ، كما يطلّ المقام من الجهة الخلفية على الضفة اليسرى من نهر الحسينية، بجوار القنطرة التي تؤدي إلى مقام الإمام الصادق عليه السلام الذي يبعد عنه بنحو 200م شمالاً، كما يبعد المقام عن حرم الإمام الحسين عليه السلام بنحو 800 م جنوباً.

وللمقام هذا تاريخ يختلف عن تواريخ المقامات الأخرى المنسوبة إلى الإمام المهدي عليه السلام، فتاريخه لا يحمل تأريخاً عريقاً يمتدّ إلى القرون الغابرة، فكل ما عثر عليه من تأريخ له لا يتجاوز قرناً واحداً، كما جاء في الكتب المتعلّقة بسيرة الإمام المهدي عليه السلام، فليس من الممكن التغافل والتسامح بعدم ذكره من قِبل العلماء والمؤرخين في كتبهم مع وجود عمارة للمقام مشيدة في عصرهم، وينقل عن السبب الذي دعا المؤمنون من تشييده وتطويره إلى ما وصل عليه الآن، كان يرى أحد علماء مدينة كربلاء المقدسة يختلف إلى موضع هذا المقام قَبل عمارته ويُكثر الصلاة فيه، وعندما سأل العالم عن سبب ذلك، أجابه بعد أخذ المواثيق بأنه رأى

الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف في هذا الموضع، ولكــــن للأسف الشديد أن هذه الحكاية خلت من اسم العالم المذكور فيها، ولو كان قد ذكر اسمه لعرفنا أول تاريخ للمقام منه خلال ترجمة حياة ذلك العالم، وعلى كل حال أن هذه الحكاية تؤيد فكرة أن المقام لم يكن قبل قرن من الزمان، وذلك لقرب زمان أولئك الذين رووا تلك الحكاية.

يتوافد إليه الزائرون سنوياً في ليلة النصف من شعبان وهي ليلة ولادة صاحب الأمر عليه السلام، وأسبوعياً في ليالي الجمع، ويقرأ فيه صباح كل يوم جمعة دعاء الندبة المشهور، كما يزار عصر ذلك اليوم بكثرة، ومن عادة الزائرين أن يقدموا النذور للمكان، ثم توقد الشموع وتوضع على كربة تطفو على الماء، فترى حينها منظراً ساحراً يبهرك بنور تألق المكان.

وعن الطقوس الدينية ذكر المواطن محمد حيدر إن لجميع الأديان السماوية والمعتقدات الأخرى كل على حدة نوع خاص من الطقوس والشعائر والبرامج الدينية الخاصة بها وغيرها من الأمور، والكل يلاحظ ذلك ويشاهده خصوصا بعد انتشار وسائل الاتصال في العالم كالأنترنيت والفضائيات العديدة، وللمؤمنين مناسكهم وطقوسهم الإسلامية أيضا وعلى ذكر هذه المناسبة المتمثلة بذكرى مولد الإمام المهدي عليه السلام هناك نوع خاص من الشعائر والطقوس التي يسودها الابتهاج والفرح والحضور للاحتفال في كربلاء المقدسة، ولكن الأمر يتعدى ذلك بكثير القضية هي الارتباط الروحي بالإمام المنتظر الذي نجده في معتقداتنا كمسلمين انه حي يرزق وهو موجود بيننا يفرح لفرحنا ويحزن لحزننا لكنه غائب عن الأبصار بمشيئة الله عز وجل، لذا تلاحظ الحشود المليونية تتوافد على كربلاء المقدسة في النصف من شعبان متجشمة كل هذا العناء دليلا لمناصرته وتضرعا إلى الله سبحانه للتعجيل في فرجه ومخرجه، حيث أن فرجه فرجنا ومخرجه مخرجنا من الظلم والفقر والذل والهوان التعس.

وعن إيقاد الشموع وإرسالها في النهر استوقفنا شاب في مطلع العشرينيات من عمره فأجابنا قائلا: فانا منذ صغري اكرر هذا الفعل كل عام في هذه المناسبة كموروث تعلمته من أهلي وهم لا يزالون حتى الان يقومون به كبقية المحتفلين بهذه المناسبة أملا بالأجر والثواب وإيمانا بالإمام المهدي عجل الله فرجه، أما أنا فبالإضافة إلى ذلك أرسل مع الشمعة أمنية علها تتحقق، فالكثير من الناس يتمنون أن تتحقق أمانيهم مادامت في طاعة الله عند إرسالهم الشموع في النهر أملا في تحقيقها بحق وجاه العترة الطاهرة وعلى رأسهم إمام زماننا الحجة عليه السلام.

توجهنا صوب احد الفتيات وبادرناها بسؤال بشأن رمزية الشموع في المناسبات فقالت: اعتقد إن الشمعة ترمز إلى النور والحياة المضيئة لذا يستعملها اغلب الناس في أعياد الميلاد الخاصة بهم والمناسبات السعيدة، وطالما استخدمت الأمم والشعوب حتى غير الإسلامية النور والنار مظهرا للنقاء والطهارة والصفاء، ولكون إن هذه المناسبة هي مناسبة مفرحة لعموم المسلمين تراهم يخرجون إلى الشوارع فرحا وابتهاجا لذكرى ولادة إمام العصر (ع) وهم يحملون هذه الشموع حتى الصباح.

أما الأخ أبو مصطفى من بغداد أجابنا عن العلاقة التي تربطنا بأهل البيت عليهم السلام قائلا: العلاقة الروحية التي تربط فيما بين المؤمن وقادته الروحانيين، تؤجج فيه روح الأمل والمواصلة لاسيما عندما يمر بظروف صعبة كما يمر بها شعبنا العراقي الصابر في هذه الحقبة العصيبة، ولذا نحن ندرك قيمة ظهوره جيدا وكيف ستكون حكومته وكيف ستكون الدنيا أثناء حكمه والروايات المنقولة عن رسول الله وآل بيته الأطهار (ص) تشير إلى سيادة العدل والحق في عهده وكيف يكثر الخير والرزق عندما توتي الأرض أكلها حيث كما ذكر إن في عهده عجل الله فرجه لا يبقى في الأرض فقير أو مظلوم لسيادة عدالة السماء بين الناس، من هذه المعتقدات نجد تعلق المسلمون واستبشارهم بمولد قائم آل البيت عليهم السلام الذي سيملأ الأرض عدلا وقسطا بعد أن ملئت ظلما وجورا كما هو الحديث الشريف، فيحتفل المؤمنون كل عام بهذه الذكرى وهم يتوجهون بالدعاء لله عز وجل ليعجل من ظهور الحجة محمد بن الحسن الملقب بالمهدي قائم آل البيت كما ذكره رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في حديثه الشريف الذي يعده المؤمنون حي يرزق إلى الآن وهو المنقذ والمخلص للبشرية حسب العديد من الروايات.

وأخيرا كانت لنا وقفة مع أحد أساتذة الجامعات عن قدسية المكان والمناسبة فذكر أن كربلاء المقدسة هذه الأرض المباركة التي فضلها الله سبحانه على سائر البقاع، وشرّف ماءها بملامسة جسد الكثير من أئمتنا الأطهار لتكون منهلا لإسباغ وضوء العارفين وشفاء لعلاج أوجاع المضطرين، وربما أراد الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف أن يخصّ موضعاً من مواضعها بالتشريف، فيكون لذلك الموضع محل خاص في نفوس مواليه، كيف لا وقد تضوّع بمسك حضوره، وفاز بتشرّف ركوعه وسجوده، وأنس بعذوبة صوته ولذيذ دعائه، ولعل هذا المحل هو الذي شرف بحضوره واستنار بوجوده القدسي، فكان محل نزول ملائكة الرحمة ومهوى قلوب عشاق الأئمة ومنتظري إشراقة مُحَيّاه الوضاء، وظهور نوره القدسي، وهو المقام المنسوب إلى الإمام المهدي عليه السلام في كربلاء المقدسة.

حسن الهاشمي