المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 3071

السيستاني .. مرة أخرى

img

بقلم: مجاهد ابو الهيل

 

يبدو لي ان فلسفة التأني التي يعتمدها المرجع الاعلى في النجف الأشرف حيال التطورات العامة في العراق بشكل عام واحداث الحركة الاحتجاجية لثورة تشرين وما رافقها من انتهاك لحقوق الثوار السلميين وسفك دمائهم الزكية، تقوم تلك الفلسفة على اختبار عينات الثورة قبل إصدار الأحكام عليها، فالمرجع السيستاني لا يحاكم الأحداث ومسببيها على استشراف نواياهم فقاعدة “الأعمال بالنيات” لا تشتغل في مدرسة السيستاني لانها قاعدة تختص بالله تعالى عالم الغيب، بينما تقوم فلسفة النجف على اختبار الثورة ومعرفة مصادرها قبل إسعافها أو إعطاءها جرعة اجهاض، لا لإيمانه بالسلطة التي انقلب عليها الرأي العام، إنما لترك الخيار للشعب ومنحه الفرصة الكافية للتعبير عن رأيه والإفصاح عن نواياه وممارسة حقه في المشاركة ببناء الدولة واختيار شكل منظومتها وهويتها السياسية، بقدر تلك الفرصة التي منحها السيستاني للطبقة السياسية في وقت سابق قبل ان يوصد أبواب مكتبه بوجوه رموزها وقادتها جميعهم دون ان يستثني احداً منذ أعوام.

 

قد نستعجل كثيرا في تفكيك تلك الفلسفة ومحاولة فهمها أو تقديم قراءة عن ماهيتها وربما نختلف عليها أو معها ونرفع أصواتنا ناقدين لها  لنحبس انفاسنا اللاهثة وراء موعد جمعة الحسم التي يطل منها الناطق الرسمي باسم المرجع الاعلى في النجف ليتلو ما تيسر له من رسائل محبوكة بطريقة فقهية متماسكة يجهل أو يتجاهل تفكيك شفرتها الكثير من السياسيين والمعنيين بها.

 

بعد ثبوت الرؤية بالعين المجردة للمرجع الاعلى وبعد ان بانت بيارق الثورة وهوية الثوار وتبين الخيط الأسود من الخيط الابيض أعلن السيستاني شرعية الثورة وابتكر لغة خاصة لها وخطة تراتبية لتقليب صفحاتها وظل يخاطب ثوارها بالاحبة.

 

في خطب الجمع المتتالية بعد انفتاق ساحات الاحتجاج بالمتظاهرين واكبت مرجعية السيستاني ذلك الحراك باستراتيجية ذكية جدًا، ففي الجمعة الأولى للتظاهر كانت المرجعية تخاطب الطرف الأول المسؤول في الدولة وهي الحكومة التي تمتلك سلطة تنفيذية واسعة لتلبية مطالب المتظاهرين المشروعة وعدم استخدام الرصاص بكل أنواعه ضد المحتجين العزّل، كما وجهت رسائل واضحة الى الطرف الثاني وهو المتظاهرين بالحفاظ على سلمية الاحتجاج والحفاظ على المال العام والاحتفاظ بارواحهم الثمينة، اذ بالغت المرجعية في هذه الرسائل بمنتهى الوضوح لانها تدرك تماماً ان انزلاق المظاهرات الى العنف سوف يمهد لوأد الثورة البيضاء التي قادها شباب العراق وصبيته الأبطال الذين  خط لهم الفقر والبطالة والخشية من مستقبلهم المجهول علامات الرجولة المبكرة.

وفي خطبة أخرى انتقلت المرجعية بإشارات واضحة لا تقبل الشك لتحديد هوية الطرف الثالث الذي وصفته بالجماعات الخارجة عن القانون، بعد ان صّوب قناصوها فوهات بنادقهم الشرهة الى رؤوس الصبية الذين يبحثون عن وطن يتسع لأحلامهم.

 

كانت لغة المرجع الاعلى في النجف واضحة وصريحة في تحديد هويات جميع الأطراف قبل ان تنتقل الى تحميل كل طرف مسؤوليته وبوضوح، حتى وصلت الأمور لذروتها في الجمعة الأخيرة التي غادرت فيها المرجعية لغة الإشارات والكنايات لتخاطب البرلمان بشكل واضح وصريح وتدله على دوره الحقيقي بإعادة خياراته في تشكيل الحكومة واقرار قانون الانتخابات وفق خيارات الشعب وليس حسب شهية الكتل السياسية التي فصلت القانون وفق مقاساتها.

لا ابالغ أو أصادر جهد هؤلاء الفتية الذين امنوا بوطنهم وازدادوا وطنية وشجاعة، لكن لولا وجود عباءة السيستاني التي حمت الثوار لكانت الحركة الاحتجاجية الان أمام طرف رابع وخامس وأطراف كثيرة تمارس القتل والقنص وكل أشكال المواجهة مع هؤلاء الأبطال، لكن خطابات السيستاني ومواقفه الإنسانية والوطنية وفّرت غطاء شرعياً للثورة ومنعت الأطراف الأخرى من مصادرتها أو مواجهتها بطريقة مباشرة ربما ستلتهم المزيد من الرؤوس اليانعة بالوطنية والشجاعة لكن مرجعية النجف اجلّت قطافها وخبئتها لموسم القطاف الوطني القادم.

 

مرة أخرى، السيستاني يقود الاحتجاجات السلمية في العراق من منزله المتواضع في احد ازقة النجف الأشرف ويدير ظهره للطبقة السياسية من جديد ليرسم ملامح المرحلة القادمة حسب إعمار المحتجين وحساباتهم الوطنية ليفتي بشرعية الشعب الذي هو مصدر السلطات.

ان الحديث عن دور المرجع الاعلى في النجف السيد علي السيستاني لا ينتهي بهذه السهولة فانا شخصيًا كتبتُ عنه عشرات المقالات في مناسبات سابقة كانت اولها نهاية عام 2003 بعنوان “نوبل آية الله” في إشارة الى استحقاق الرجل لنيل تلك الجائزة العالمية المهمة في مجال حقوق الانسان وحماية الدم من النزيف المستمر وحفظ الأمة من الانزلاقات الطائفية والعرقية، فهو الرجل الوحيد بيننا الذي يستحق هذه الجائزة التي هو في غنى عنها وعن غيرها لانه يمارس دوره الحقيقي دون انتظار الرشى والهبات التي لا يتسع لها منزله المستأجر في احد ازقة النجف القديمة وعباءته الممزقة التي ورثها عن اسلافه العضماء.