المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1238

في الذكرى (الخامسة) لفتوى الدفاع المُقدسة..هل كان داعش صناعة عراقية؟ـ حلقة رقم (3)

img

ـ بقلم: نجاح بيعي
ـ الحدث المِفْصَل والخطير الذي طرأ على المشهد السياسي العراقي حتى انبثق منه تنظيم داعش الإرهابي..
ـ الزمان: يوم الخميس 20/12/2012م
ـ المكان: مقر وزارة المالية العراقية
حيث داهمت قوة أمنية مقر وزير المالية الأسبق(رافع العيساوي) في حكومة (نوري المالكي) واعتقال طاقم حمايته وجميع موظفي مقر الوزارة والبالغ عددهم (150) شخص. والإعتقال جاء تنفيذا ً لمُذكرات قبض (قضائية) وفق المادة (4)الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، وبتهم تتعلق بالإرهاب والقتل والتفجير. وتم إطلاق سراحهم جميعا ً في اليوم التالي, إلا من آمر فوج حماية الوزير, لإعترفه بارتكاب جرائم إرهابية مع تسعة أشخاص آخرين.
عملية الدهم والإعتقال الغير مسبوقة والتي جرت بين أقطاب قمة هرم السلطة في بغداد, تُنذر بأن هناك أمر قد جرى (غير) طبيعي البتة. فالإعتقال جاء بعد (ساعات) على نقل (جلال الطالباني) رئيس الجمهورية (الكردي) إلى ألمانيا للعلاج من جلطة دماغية مفاجئة, وأسباب أخرى جعلت الحادثة تتفاقم من لحظتها وتتضخم جاذبة أطراف أخرى إليها, وراحت تكبر مع مضي الثواني والساعات فصارت ككرة الثلج المتدحرجة تبتلع ما تجد أمامها , وكلما تتداركت نحو الأسفل كلما تضخمت وكبرت نحو الأسوء والأخطر.
حتى اعترى المشهد السياسي فجأة تراشق بالتصريحات الطائفية النارية, وبكيل الإتهامات بالعمالة والتخوين من كلا الطرفين, بين (الوزير) تلك الشخصية (السُنيّة) النافذة في الوسط السُنّي, المرشح عن القائمة العراقية آنذاك, وبين رئيس مجلس الوزراء تلك الشخصية (الشيعية) البارزة في الوسط الشيعي السياسي. فشهدت مناطق (سنُيّة) مختلفة مظاهرات احتجاجية مُنددة بحادثة الإعتقال, شملت مدن مثل (الفلوجة) و(الرمادي) انطلقت بعد الحادثة بـ(24) ساعة بعد صلاة الجمعة من اليوم الثاني, التي أقيمت فوق (الطريق السريع) الذي يربط العراق بـ(الأردن وسوريا).
وتوسعت بعد توسع الصدع بين أقطاب المحاصصة والتوافق, فشملت محافظات ومدن وحواضر أخرى في المنطقة الغربية وحزام بغداد ـ حتى انبثقت منها بما يُعرف بـ(الإعتصامات) و (منصات الإعتصام) بعد التحشيد لها من قبل قادة سياسيين (سُنّة) وأئمّة المساجد ورجال وشيوخ عشائر هناك, بمباركة قادة سياسسين(كورد) وبعض الأطراف السياسية (الشيعية).
فاستحكمت الأجواء المضطربة بين الغرماء ولبست لبوسها (الطائفي), وصار الأمر وكأن هناك جبهتين تقف إحداهما طائفيا ً بالضد من الأخرى. الأولى للمكون (السُنّي) برمته. والثانية حكومة المكون (الشيعي) برمته. فتم محق كلا الطائفتين مع اشتداد أوار الصراع السياسي بسبب تمترس الزعامات السياسية وراء طائفة كلا المكونين وللأسف.
ـ الحدث كان خطيرا ً جدا ً بكل المقاييس, وله تبعات وتداعيات سياسية وأمنية خطيرة على العراق وشعبه, ولكنه كان متوقعا ً في نظام سياسي بُنيت أسسه على (المحاصصة) السياسية المقيتة ومبدأ التوافق بين الشركاء في الحكم, والتي رفضت المرجعية العليا صيغتها رفضا ً قاطعا ًووقفت بوجهها وحذرت الجميع منها, منذ الأيام الأولى من الإحتلال الذي شرع بتكريسها, وتبنتها القوى السياسية عن سبق إصرار, جريا ً وراء مصالحها ومكاسبها السياسية وعملا ً بالأجندات الخارجية المغرضة.
بل وتنبأت المرجعية العليا بالعواقب المدمرة في سلوك هذا النهج المنحرف, الذي كرس (و سيكرس) الطائفية والعرقية في النظام السياسي المستقبلي للعراق, وذلك حينما اعترضت على قانون إدارة العراق للمرحلة الإنتقالية, في موضوع منصب (الرئاسة) المبنية على المحاصصة المقيتة ومبدأ التوافق البغيض(كردي + شيعي + سُني) وحذّرت من أن الأمر سيصل إلى (طريق مسدود, ويدخل البلد في وضع غير مستقر, وربما يؤدي إلى التجزئة والتقسيم) كما بيّنا سابقا ً. {1}.
فكانت الهزات الأمنية العنيفة, والصراعات السياسية الدموية, والتقلبات الإقتصادية القاهرة وغيرها, الصفة الغالبة والقوية التي طبعت بها العملية السياسية الجارية في العراق منذ سقوط النظام السابق عام 2003م وللآن. وما ذلك إلا كنتيجة حتمية لأي إتفاق (مُحاصصاتي ـ توافقي) لتقاسم السلطة بين زعامات المكونات (الشيعة والسنة والكورد) السياسية. وما حادثة صدور مذكرة إلقاء قبض على نائب رئيس الجمهورية السابق (طارق الهاشمي) و(3) ثلاثة من حراسه عام 2011م ببعيد. وإتهامه بإدارة فرق إغتيال أشعلت كذلك أزمة موجعة بين المكونات الأساسية, حيث احتمى الجميع خلف طائفته ومذهبه أو خلف انتمائه السياسي, تاركين الدولة والدستور والقانون (الحاكم) وراء ظهورهم. ولا براءة لأحد لأن الجميع قد اشترك بسفك الدماء العراقية.
ـ والأخطر من هذا كله هنا..
هو موقف المرجعية الدينية العليا الذي جاء بعد (8) ثمانية أيام من حادث الإعتقال.
ـ ففي الخطبة الثانية من صلاة جمعة كربلاء 28/12/2012م وبعد أو وصفت (الأزمة) وتداعيات ظروفها الذي مرّ به البلد في الأيام القليلة الماضية بـ(الظروف الحساسة). ودعت الى العمل بمجموعة مبادئ مهمة, في بادرة جادة منها لدرء الفتنة ولإحتواء الأزمة التي عصفت بالجميع على حين غرّة ـ والمبادئ هي:
ـ(1): الدعوة الى عدم تسييس القضاء والإنتباه من التداعيات السياسية لذلك.
ـ(2): ضرورة عمل جميع الأطراف للحفاظ على الوحدة الوطنية والنسيج الإجتماعي الموحد.
ـ(3): حل أي أزمة بالحوار والتفاهم وعدم ترك الأزمات تتفاقم, وبالتالي تترك أثرا ً سيئاً على البلد والمواطن). {2}.
بالتمعن في المبادئ الثلاثة المتقدمة نُدرك أمورا ًمنها:
أـ أن القضاء مُسيّس. وهي إشارة إلى حادثة (الإعتقال) التي جاءت على خلفيات سياسية بحتة, ولا تعدو أن تكون أحد أشكال الصراع السياسي حول السلطة والنفوذ. وأن جهات سياسية عليا (حكومية) تقف وراء أوامر الإعتقال رغم صدورها من السلطات القضائية.
ب ـ إن إدّعاء وجود أسباب مذهبية أو طائفية من وراء (الأزمة ـ الحدث) كما أشيع حينها, هو إدّعاء كاذب, وجاء لصبّ الزيت على النار ولإذكاء الفتنة ولكسر إرادات الخصوم السياسيين فيما بينهم.وولزاما ً على الجميع أن يدرك بأن للأزمة تداعيات سياسية وأمنيّة خطيرة يجب الحذر منها.
ج ـ تطبيق القوانين وتفعيل واحترام أحكام القضاء, واحترام الإستحقاقات العملية الديمقراطية لا يزال مطلبٌ الجميع الذي لا مفر منه, وإلا فالأزمة الحالية ما هي إلا أثر سيّئ جاء نتيجة تراكم الأزمات السيئة السابقة. وأنها تُهدّد كيان الدولة بكل مؤسساتها وتُهدّد النسيج المجتمعي للشعب بكل مكوناته وأطيافه وأطيافه بالتمزق.
د ـ الحوار والتفاهم هو الحل الأمثل لجميع الأزمات لا سيما الأزمة الحالية. وبترك الحوار والتفاهم تجعلها تتفاقم إلى ما لا يُحمد عقباه.
فالتحايل على المبادئ العملية الديمقراطية بانتهاج سبيل (المحاصصة ـ والتوافق),وعدم النضج السياسي لأغلب الطبقة السياسية المتصديّة, وغياب المنهاج الوطني الحكومي, وتعطيل العمل بمواد الدستور, وعدم تفعيل القانون, وتسييس القضاء وعدم استقلاليته, واستشراء الفساد المالي والإداري وتكريسه, وافتعال الأزمات, والسماح للدول بالتدخل بالشأن الداخلي للعراق, والإنخراط بالعمل وفق الأجندات الخارجية, والإحتماء وراء المذهب والطائفة والقومية والعشيرة والحزب دون الدولة والدستور والقانون, وسيادة الفوضى, وهدر وسلب وسرقة المال العام, وووو.. وأسباب كثيرة ومتنوعة ومتشعبة دعت ولا تزال تدعوا إلى خلق بيئة صحيّة لتنشيط الإرهاب بكل أشكاله, ونموه واستقوائه ليضرب أطنابه في طول البلد وعرضه!
ـ وهنا سألت نفسي:
هل رصدت المرجعية الدينية العليا تداعيات الحدث ـ الأزمة؟ وما كان موقفها تجاهه؟.
ـ
ـ يتبع..