المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1703

إلى اطفال تغنوا بأمجاد صدام .. رغم ان حبله تدلى لرقاب آبائهم !

img

بقلم: بركات علي حمودي


و بينما أنا أقرأ منشوراً لأحد (اطفال) الثقافة الجديدة الذين يتغنون بأمجاد الماضي و صدام وعن أيام الأمان و العيش الرغيد في ذلك الوقت!
تذكرت يوماً انني كنت اسير في احد شوارع الرصافة ببغداد عام 2000 وكنت فتى في العشرين من عمري، وقفت انتظر سيارة اجرة كي توصلني للمكان الذي كنت أروم الذهاب اليه، فما كان من صاحب سيارة (سوبر 90) أتذكرها كانت حمراء اللون توقفت بجانبي، فأستغربت بذلك الوقت ان صاحب سيارة (سوبر) يعمل سائق تكسي!
لكن الرجل كسر استغرابي عندما قال (وين رايح عمي ؟) فأجبته (حي العامل) فقال: "تفضل".


لم يقبل الرجل قبل صعودي ان أعامله فقد قال لي (بكيفك عمي)
عندما سارت السيارة بي استرقت النظر لصاحب السيارة وكان رجلاً قد تجاوز الخمسين من عمره و لا تظهر عليه علامات تعب تلك الأيام من فقر او انه سائق سيارة اجرة (مع احترامي لأصحاب هذه المهنة الشريفة)، بل كان أنيقاً غير انه ملتحي بلحية (فوضويه) يبدو انها كانت وليدة تلك الأيام لا بترتيب منه!
اتذكر اننا بالضبط وصلنا الى منطقة العلاوي قرب المحطة العالمية و عندها قال لي دون مقدمات:
(ابني انعدم اليوم الصبح ضمن وجبة إعدام، و الخبر اجاني للمحل و ليهسه ما ادري شسوي، منين آخذ جثته، و اذا اروح للبيت شنو اگول لأمه اللي منتظره خبر مني يطلع لان دا احاول اطلعه بواسطات و بالفلوس، من الصبح ليهسه افتر بالشوارع وما اعرف شسوي)!

أنا في تلك اللحظة تسّمرت في مكاني وكأن على راسي الطير و تضاربت الأفكار في رأسي بين متعاطف مع الرجل الذي هزتني كلماته وخائف منه ان يكون احد عناصر الأمن الذين كانت مهنتهم (جر لسان الناس) حتى يقعوا في شر أعمالهم بأن يتكلموا بسوء عن النظام.

استجمعت قواي و سئلته: (عمي هي شنو تُهمته ؟) فأجاب و هو يتلعثم بسبب مأساته:
(ابني تاجر بالشورجه و مسجون صار سنتين علمود قضية امن اقتصادي).

أتذكر اني لم أبادله الكثير من الحوار فقد تركت له الكلام عن ولده وكيف انه كان من الاوائل في كليته في جامعة بغداد و انه جميل الوجه ولا يشبهه احد من الشُبان، و بينما هو يتكلم كنت انظر للحيته و قد غطتها الدموع..
فما كان مني غير ان أواسيه و ادعوا لابنه بالرحمة.

وصلنا للمكان و عندما أردت اعطائه الأجرة ابتسم الرجل ابتسامة حزينة بعد نوبة بكاء، رافضاً أخذ الأجرة، و قال لي: (توكل بالله وليدي ربي يحفظك سند لأبوك) فأجبته: (عمو.. أبويه اخذه مني صدام، مثل ما أخذ ابنك منك)!!

نعم.. فحبل عدالة صدام تدلى على رقاب جميع العراقيين، ان كانت بأعواد مشانقةِ أو بحروبة العبثية، قبل ان يتدلى هو بنفسه بذات الحبل، لان عدالة السماء لا تنسى كما ينسى او يتناسى البعض!