المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 2047

باب المرجع اﻷعلى لازال موصداً

img

بقلم: عادل الموسوي

 

على مايبدو إن لاخطوات حقيقية وجادة مما يرجى من عمل الحكومة "في الإصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الإجتماعية".
كما يبدو أيضاً ان النهايات الزمنية للتنفيذ وإن كانت محددة ظاهراً، إلا إنها خلاف ذلك في الواقع، وهي طريقة ليست ذكية تماماً للمراوغة والتنصل عن الإلتزام بالتعهدات، فنهاية التسويف لن تتعدى الأربع سنوات قطعاً، فإن كان المتنصلون يرجون إن لكل حادث -بعد الأربع- حديث، فلا ينسوا إن "عندئذ سيكون للمشهد وجه آخر مختلف عما هو اليوم عليه..." بإضافة أن هذا المشهد لن ينتظر الى نهاية تلك "الأربع" التي إستهلكوا ربعها.

ربما توحي بعض العناوين بإيجاد الأعذار وعدم تحميل حكومة السيد عادل عبد المهدي ما لاتطيق، مثل: "مجلس مكافحة الفساد يصطدم بملفات شائكة معظمها بزمن المالكي" و "عبد المهدي يصطدم بوعوده.. 13 الف ملف فساد بإنتظاره"
لكن ماذا عما لايطيقه المواطن وهل كان سبباً في تراكم تلك الملفات وتشابكها.
لاننكر إن السيد عبد المهدي يواجه عقبات كثيرة وضغوطات كبيرة وتركة ثقيلة، لكن لو أن حكومته كانت جادة كل الجد في خدمة مصالح الشعب والبلد لحرصت كل الحرص للعمل بما نصحت به المرجعية الدينية التي إنطلقت من موقعها المعنوي لدى الشعب العراقي وحرصها على المصالح العليا للبلد "لقد نصحت المرجعية الدينية مراراً وتكراراً كبار المسؤولين في الحكومة وزعماء القوى السياسية بأن يعوا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم وينبذوا الخلافات المصطنعة التي ليس ورائها إلا المصالح الشخصية والفئوية، ويجمعوا كلمتهم على إدارة البلد بما يحقق الرفاه والتقدم لأبناء شعبهم، ويراعوا العدالة في منح الرواتب والمزايا والمخصصات ويعملوا للإصلاح فيمتنعوا عن حماية الفاسدين من أحزابهم وأصحابهم..."
لقد دعت المرجعية الدينية العليا الى سبيل الرشاد ببرنامج إصلاحي ممتاز ولها أمل بتحقيقه بتظافر جهود الغيارى والخيرين من أبناء البلد.
تضمنت خطبة الإصلاح نقاطاً جوهرية رسمت بها الخطوات الجدية الفاعلة والمدروسة لتجاوز المأساة والخروج من المحنة.

في نظرة عامة هذه بعض أوجه مقارنة بين ماهو المطلوب من الحكومة وما هو المنجز وما مدى جديتها في تحقيقه:

من توصيات المرجعية الدينية: "أن تتشكل الحكومة... بأقرب وقت ممكن على أسس صحيحة من كفاءات فاعلة ونزيهة..."
منح مجلس النواب الثقة لأربعة عشر وزيراً في تشرين أول 2018 ولازالت بعض الوزارات المهمة مثل الدفاع والداخلية والعدل..تنتظر وزيرها.
إن مرور سنة على الإنتخابات التشريعية يخالف فقرة "أقرب وقت ممكن لتشكيل الحكومة".
أما بالنسبة للكفاءة والفاعلية والنزاهة:
فالكفاءة بحسب السير الذاتية للوزراء فإن أغلبهم من حملة الشهادات العالية وومن تسنموا مناصب إدارية مهمة سابقاً -وإن كانت بعض الاختصاصات غير ملائمة - لكن قد يكون أمر الكفاءة مقبول نوعاً ما وإن كانت الشهادات العالية لاتدل بالضرورة على كفاءة حامليها.
أما الفاعلية فأظنها أمر لو كان واضحاً لظهر وبان للعيان.
أما النزاهة فلا شيء متيقن بالسلب أو الإيجاب الى حد الآن على أغلب الظن، ولابد أن تخضع للمتابعة والتقييم.
لكن -وبصورة عامة- هل خرج إختيار الوزراء عن فلك المحاصصة وقرابات بعض المسؤولين؟! كلا!
لقد إشترط السيد عبد المهدي شروطاً لقبول الوزارة وهدد بالإستقالة عند إنتفاء تلك الشروط!! وأظن إن هناك من يسعى لضمان عدم تطبيقها!
لكن بعيداً عن كل ذلك فالمفروض: حسم قضية الوزارات الشاغرة مع تحديد سقف زمني لذلك، ومتابعة وتقييم كفاءة الوزراء وفاعليتهم ونزاهتهم بصورة مستمرة.

ومن التوصيات: أن "يتحمل رئيس مجلس الوزراء فيها كامل المسؤولية عن أداء حكومته ويكون حازماً وقوياً ويتسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والإداري الذي هو الأساس في معظم مايعاني منه البلد من سوء الأوضاع ويعتبر ذلك واجبه الأول ومهمته الأساسية ويشن حرباً لا هوادة فيها على الفاسدين وحماتهم.."
قد يعتبر تشكيل "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد" خطوة نظرية في مكافحة الفساد لكنها ليس لها واقع ملموس وجاد على أرض الواقع، فالعناوين لاتكفي فقد تكررت مضامين أغلبها في برامج الحكومات السابقة، عدا إستثناءات بسيطة توهم أنها جدية، وربما هي كذلك لكن لاجزم لسبق التجربة الفاشلة.
مع إننا لم نلمح أي من ملامح الحرب التي لاهوادة فيها، ولم نر أن هذه القضية قد إعتبرت هي الواجب الأول والمهمة الأساس، لاشيء من ذلك واضح وملموس.
لم نر جل ما أوردته هذه الفقرة من مواصفات، بل ربما رأينا عكسها في بعض المواقف.

المفروض: أن تكون هناك خطوات جادة لتنفيذ هذه الفقرة مع تحديد نهاية زمنية لتحقيقها بالكامل أو جزء جيد معتد به منها مع تقديم نسب لإنجازها.

ومن التوصيات أيضاً: أن "تتعهد حكومته بالعمل في ذلك وفق برنامج معد على أسس علمية تتضمن إتخاذ خطوات فاعلة ومدروسة..."

طرح السيد رئيس مجلس الوزراء برنامج حكومته في بداية شباط من هذا العام، لكن الى أي مدى تضمن برنامجه ماتضمنته خطبة الإصلاح من فقرات مبنية على أسس علمية ومدروسة.
ربما يمكن القول بأن البرنامج تضمن معنى مجمل لبعض ماتضمنته توصيات المرجعية الدينية، وقد تعهدت الحكومة بتنفيذها لبرنامجها في مدة معينة.
تم تشكيل لجنة نيابية لتقييم عمل الحكومة..
تم تشكيل لجنة حكومية لمتابعة عمل المؤسسات.. ثم ماذا؟!
لقد تعهدت الحكومات السابقة بتنفيذ برنامجها أيضاً، كانت النتيجة في نهاية المطاف.. لاشيء!

المفروض:
إن تحدد الحكومة نهايات الفترات الزمنية للتنفيذ بدقة وجدية.
ولتحقيق متابعة وتقييم عمل الحكومة وفق برنامجها لايمكن الأكتفاء بعمل لجان المتابعة والتقييم النيابية والحكومية ولابد من تشكيل لجان من جهات خارج الحكومة و"البرلمان"، كالمنظمات غير الحكومية -مثلاً- لمتابعة وتقييم عملهما معاً، مع إمكانية الإستفادة النسبية من الخطوط العامة وآليات عمل اللجنتين النيابية والحكومية.

أما الخطوات الفاعلة والمدروسة التي نصحت بها المرجعية الدينية فخلاصتها:
1- "تبني مقترحات لمشاريع قوانين.. تتضمن إلغاء أو تعديل القوانين النافذة التي تمنح حقوق ومزايا لفئات معينة.."
2- "تقديم مشاريع قوانين الى مجلس النواب لغرض سد الثغرات القانونية التي تستغل من قبل الفاسدين.."
3- "تطبيق ضوابط صارمة في إختيار الوزراء وسائر التعينات الحكومية.."
4- "الإيعاز الى ديوان الرقابة المالية الى ضرورة إنهاء التدقيق في الحسابات الختامية للميزانيات العامة للسنوات الماضية.."

إلى أي حد أخذت هذه الخطوات المهمة حيزها من عمل الحكومة؟

-ما يتعلق بالفقرة الأولى:
تضمن البرنامج الحكومي: "تقديم قائمة بأولويات مشاريع القوانين المطلوب تشريعها وفقا لحاجة مؤسسات الدولة"
وبناءً على ذلك رفع مجلس الوزراء عدة مشاريع قوانين الى مجلس النواب، لكن لم نجد منها ما قد تعلق بالفقرة الأولى من "تبني مشاريع تتضمن إلغاء أو تعديل القوانين التي تمنح إمتيازات ومزايا لفئات معينة"، ويبدو أن ذلك بعيد المنال وأن هذه القوانين مقدسة جداً لايمكن المساس بها بحال.

-مايتعلق بالفقرة الثانية:
قد يكون لقانون "الكسب غير المشروع" ومشروع قانون تعديل قانون النزاهة وبعض مشاريع قوانين أخرى -علاقة بما يخص مكافحة الفساد أو الحد منه، لكن المعول هو كفاية هذه القوانين -لهذه المسألة- والتطبيق لها والحيلولة دون الإلتفاف عليها.

- مايتعلق بالفقرة الثالثة:
لتشكيل حكومته -في بادرة غير مسبوقة- أطلق عادل عبد المهدي موقعاً "ألكترونياً" لحث العراقيين الذين يجدون في أنفسهم الكفاءة والتخصص على التقدم لمنصب وزير في الحكومة الجديدة، حيث بلغ عدد الترشيحات أكثر من 15 ألف شخص، منهم أكثر من 1700 شخص من حملة "الدكتوراة" لكن عبد المهدي لم يختر أياً من المتقدمين..
لقد كان أغلب الوزراء شخصيات حزبية أو أقرباء مسؤولين في الدولة.
إن قيود المحاصصة وضغوطات الكتل السياسية لازالت نافذة.

-أما بالنسبة للفقرة الرابعة:
فقد أوضحت عضو لجنة تقييم البرنامج الحكومي والتخطيط الإستراتيجي: أن "البرنامج الحكومي أشار إلى البدء بتدقيق الحسابات الختامية لسنوات دون أخرى، ومنها تدقيق الحسابات الختامية دون التطرق الى موازنة 2014".
"المالية النيابية تشير إلى إنجاز 90 إلى 95% من الحسابات والى مشاكل وعقبات حالت دون إكمال الحسابات للسنوات الماضية".
"نواب يطالبون بعرض الحسابات الختامية على المجلس".
وغير ذلك من أخبار قديمة وحديثة، متواققة ومتناقضة خلاصتها أن هناك تلكؤاً بتدقيق الحسابات وإن البعض لن يروق له تدقيقها.

وبين متاهات عناوين إخفاق رئيس مجلس الوزراء، مثل:
"برلمانية: عبد المهدي غير جاد بتنفيذ مشروع مكافحة الفساد".
"لجنة نيابية: الاداء الحكومي لايرقى حتى الآن لحجم المسؤولية".
"البناء يعارض عبد المهدي حول مكافحة الفساد ويعتبره مضيعة للوقت".
وبين عناوين نجاح السيد عادل عبد المهدي، مثل:
"عبد المهدي: 34 خطة لمكافحة الفساد..".
"بعد إقرار عبد المهدي ل 40 ملفا يشوبها الفساد دعوات لإجراءات جريئة ورفع الغطاء السياسي عن المتورطين".
"عبد المهدي: تم إصدار عدد كبير من القرارات في إطار مكافحة الفساد".

-من بين ذلك كله- لايسع إلا إعتماد موقف خارج عن إطار السيد عبد المهدي ومعارضيه، وهو:
إن للمرجعية الدينية شروطاً لإنهاء القطيعة مع السياسين، وإن في فتح الباب أمامهم دلالة على حسن الأداء وجودته.
وبما أن: "باب المرجع الأعلى لازال موصداً".
إذن: لاشيء من الشروط قد تحقق في الواقع، وإن ملامح بقاء الوضع -البائس- كما هو عليه قد ظهرت.
"لذلك إن تنصلت الحكومة بما تتعهد به أو تعطل الأمر في مجلس النواب أو لدى السلطة القضائية فلا يبقى أمام الشعب إلا تطوير أساليبه الإحتجاجية السلمية لفرض إرادته على المسؤولين مدعوماً كل القوى الخيرة في البلد، وعندئذ سيكون للمشهد وجه آخر مختلف عما هو اليوم عليه..."