المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1002

الشكوى دفعاً للحسد

img

ولاء قاسم العبادي


من القناعات المغلوطة و المنتشرة في مجتمعنا العربي هي الشكوى و التفاقر و التمارض دفعا لحسد الآخرين.إذ تعتقد الكثير من النساء بل و من الرجال من يعتقد ذلك أيضا. إن الشكوى هو الحصن الحصين من الحسد. فتراها تشتكي لصديقتها من سوء تعامل الزوج معها دفعا لحسد صديقتها، و تراه يشتكي من هبوط دخله و عدم كفاية مرتبه لأمور المعيشة دفعا لحسد جاره... و هكذا معتقدين إن ذلك سيدفع عنهم الشر و سيجذب لهم الخير!!!!. مع إن نكران نعمة الله (عز وجل) كفران بها قال (تعالى): " يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) " (1). لو فتشنا عن سبب هذه القناعة لوجدناهم يقولون إن فلانا كان متفوقا في دراسته كثيرا ثم تراجع مستواه الدراسي بسبب الحسد و ما شابه ذلك!!! و تلك كان يعشقها زوجها و لكن أعين الحاقدين دمرت عشهم الزوجي!!!! و ما شابه...

و في الحقيقة نحن مجتمعات تجيد الاتكال على الغير و تفضل الذرائع الجاهزة و الحجج الموروثة و إن كانت مغلوطة بل و إن ساء حالنا كأفراد و إن تدهورت أوضاعنا كمجتمع طالما تخرجنا من دائرة الاتهام و التقصير لأن جل ما يهمنا هو تخدير الضمير. و منع أصابع الاتهام من أن تتوجه إلينا. فنحن من هذه الناحية كما قال (تعالى) على لسان الامم السابقة " وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) " (2).

نعم، إن الحسد حق و إن العين حق و لكن كما قال (تعالى) في كتابه المجيد: " وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) " (3)، فإنه قال أيضا: " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) " (4)، و قال أيضا: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) " (5). و قال (تعالى): " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) " (6). فإن كنا نؤمن بالله حقا و نتعبد بكتابه صدقا فعلينا بالايمان بجميع ما أنزل على قلب رسوله الكريم (صلى الله عليه و آله) و أن لا نجعل القرآن عضين. و إن كنا حقا نبحث عن حل لما نحن فيه علينا أن نبحث بجد عن أسباب المشكلة. فقد نكون نحن السبب و غالبا ما يكون الواقع كذلك. فكم من أبوين أهملا متابعة أولادهما إتكالا على نباههتم و ذكاءهم مما أثر سلبا على مستواهم فتراجعوا القهقرى. و كم من زوج تمادى في أنانيته مستغلا طيبة الشريك الآخر فغير ما في نفسه فغير الله (تعالى) نعمته. و كم... و كم... وكم... و قد يكون امتحانا من الله و اختبارا ليمتحننا و يختبر صبرنا...


*آثار هذه القناعة:

و لهذه الظاهرة آثار أليمة و عواقب وخيمة يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

أولا: إن الله (تبارك و تعالى) أمرنا في القرآن الكريم فقال: "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) " (7)، و قال " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)" (8). فأمرنا أن نتحدث بنعمه و أن نذكر آلائه و كرمه. فإن عصيناه بل و أنكرنا نعمه نكون قد كفرنا بها و العياذ بالله.

ثانيا: إن الله (عز وجل) قد ضمن لنا إن أطعناه و على نعمته شكرناه أن يزيد خيرنا خيرا قال (وهو أصدق القائلين): " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) " (9)، و قال أيضا: " وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) " (10)

ثالثا: إن لكفران النعم آثارا وخيمة فهو لا يمنع الزيادة كما روي عن الامام علي (عليه السلام): " من لم يشكر النعمة منع الزيادة"(11) فحسب بل و يعرض النعمة الى الزوال كما قال (عليه السلام): " من لم يحط النعم بالشكر لها فقد عرضه لزوالها "(12) و قال: "- من قل شكره زال خيره " (13)

رابعا: هذه القناعة إذا تجذرت عند الانسان فإنها ستودي به الى سوء الظن و اتهام الأقربين حتما. لأننا علمنا إن من يكفر بالنعم يعرضها للزوال حتما. فإن زالت أعاد حساباته و راجع من إطلع عليها من الناس ليتهمه بأنه سبب زوالها. و بما إن مثل هكذا تفكير غالبا ما يحجم صاحبه عن أن يُطلع على نعمه الا الأقربون ففي الحال هذه إن زالت النعمة لم يجد سواهم فيتهمهم بالحسد.

خامسا: إتهام الأبرياء و بهتهم و هو جرم عظيم يعاقب عليه الله (تعالى) بالعذاب الأليم. روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): " من بهت مؤمنا او مؤمنة او قال فيه ما ليس فيه اقامه اللّه تعالى يوم القيامة على تل من نار حتى يخرج مما قاله فيه " (14). كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام): " من باهت مؤمنا او مؤمنة بما ليس فيهما حبسه اللّه (عزو جل) يوم القيامة في طينة خبال , حتى يخرج مما قال. قلت [ابن ابي يعفور]: وما طينة خبال ؟ قال: صديد يخرج من فروج المومسات , يعني الزواني " (15).

سادسا: كما إن هذه القناعة تدخل الانسان في مشاعر سلبية لا آخر لها و تقلب حياته الى جحيم. فتدعوه الى التكاسل والتقاعس و تثنيه عن المثابرة و الاجتهاد بالبحث عن الاسباب و معالجة مشكلاته مما تحول بينه و بين التقدم و على مختلف الأصعدة في حياته فضلا عن مشاعر الحزن و التعاسة و مشاعر الغضب و الحقد على من يتصور إنه السبب فيما هو فيه.

سابعا: و أخيرا... إن الله (تبارك و تعالى) لم يجعل الحسد جندا من جنود الجهل الا و شرع ما فيه دماره و هلاكه فأنزل سورة كاملة و هي سورة الفلق لمن يريد أن يلتجأ اليه و يستعيذ به من شر الحسد و الحاسدين. و بالاضافة الى ذلك هناك أدعية عالية المضامين عظيمة الأثر في هذا المجال لمن أراد التحصن من كل ذلك.
ـــــــــــــــ