المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1235

السترات المشعة

img

بقلم: محمد غازي الاخرس


حسنا، من فرنسا تأتي الغرائب دائما، الثوريات منبعها هذا البلد المبهر، والوجوديات والعدميات مصدرها منه أيضا. هل للعبث وقصائد النثر والسوريالية مكان أدفأ من فرنسا؟ ماذا عن الوجوديين والعدميين، ماذا عن بودلير ورامبو وجان جينيه وجيل الحالمين العباقرة، والثائرين في الفكر من سارتر إلى ميشيل فوكو ومن رولان بارت إلى جاك دريدا؟ هل ثمة غير فرنسا تقدر على إنتاج أمثالهم؟ أسئلة أقرب للأنشودة خطرت في ذهني وأنا أتابع انفلات الوضع في باريس على أيدي ذوي السترات الصفر، من سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة ممن اعترضوا على فرض ضريبة جديدة على البنزين.

المشاهد مهولة وغير متوقعة وهي تبدو في الظاهر متعلقة بفئة اجتماعية محددة، لكن الناظر للأحداث سيعرف فورا أن الموجة كبيرة ووصل عدد المحتجين ربما إلى خمسة وسبعين ألف في عموم فرنسا وهذا يحولها إلى حركة شعبية عارمة تهدد بشل فرنسا. نعم، أبرز ما فكرت به وأنا أتأمل المواجهات والحرائق والاعتقالات أن المشهد يمكن أن يكسر تلك اليقينيات التي تنام عليها أوربا منذ السبعينات على الأقل بزعم أنها وجدت الحل والمفتاح واطمأنت، جلست في أرجوحة الرفاهية تحوك كنزة لشعوبها المسترخية، وثمة في الجوار، تتهادى أغنية تؤدى بعشرات اللغات واللهجات والألوان والألحان.

هل هذا اليقين الأوربي وهم؟ هل يصعب علينا تخيّل امتداد الانفلات إلى بقية بلدان القارة العجوز؟ إذا كان ذلك صعب التحقق فما الذي جعله واقعا كابوسيا في باريس هذه الأيام؟ أزعم أنه كابوسي وأنا أرى النقاط المحيطةَ بالشانزيليزيه كيف تحولت إلى نقاط تماس بين المتظاهرين والشرطة، نقاط مواجهة ذكرتني على الفور بتلك المشاهد التوثيقية التي تبقت من انتفاضة الطلبة والعمال في مايو عام 1968بباريس.

كنت رأيت بعض تلك المشاهد في أفلام تسجيلية لكنني قبل شهرين تقريبا تابعت عن تلك الانتفاضة فيلما ساحرا عنوانه "الحالمون"، فيلم من تأليف جلبير أدير وإخراج بيرناردو بيروتولوتشي.

ليست المقالة مخصصة للفيلم بل لما يجري اليوم على أيدي ذوي السترات الصفر المشعة وهم ينتفضون ليهزوا اطمئنان أوربا.

إنهم يواجهون نظاما سياسيا واقتصاديا يعتقدون أنه ظالم ويحتاج إصلاحا عميقا، يفعلون ذلك مثلما فعل الطلبة قبل خمسين عاما.
قلت لكم؛ من فرنسا تأتي الغرائب، ومن باريس بالذات يدق دائما جرس الإنذار والعبارة هي هي: انتبهي يا أوربا، ثمة مشكلة تلوح في الأفق.