المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 769

شُبُهات وردود حول الزيارة الأربعينية

img

بقلم: علي حسين التميمي


إنّ من الملاحظ بل مما اعتاد عليه المؤمنون مع اقتراب زمان كلّ شعيرة من شعائرهم المقدسة وفي كل عام أن يسمعوا بطرح تساؤلات حولها، وغالباً ما يهدف أصحابها الى إثارة الشكوك حولها في نفوس المؤمنين، ومنها زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) والنوايا هنا واضحة، فأودّ التوجُّه الى اخوتي المؤمنين بالقول التالي دفعاً لِما قد يلتبس عليهم، وإن كانت اعتراضات المناوئين لا تستحق الإصغاء اليها لكونها عِدائية لا علمية.
إنّ زيارة الأربعين تُعَد واحدة من اكبر وأهم الشعائر الدينية المقدسة في مذهب اهل البيت (عليهم السلام) وقد قام الدليل على مشروعيتها واستحبابها، وهنا نضع بين أيديكم الأمور التالية التي قد تُمثِّل خلاصة القول في الدِلالة على ذلك:
الأول: أنّ الإمام زين العابدين والإمام الباقر والحوراء زينب (عليهم السلام) مع ضعن السبايا من بنات وزوجات الحسين (حرائر الرسالة وودائع النبوة) كانوا قد زاروا الحسين (عليه السلام) في يوم العشرين من شهر صفر المظفّر من سنة 61 هجــرية، أي بعد أربعين يوماً من استشهاده (عليه السّلام) وهو مصدر تأسيس وانطلاق لهذه الزيارة المباركة والشعيرة المقدسة تشريعاً وتأريخاً فيما هو المشهور لدى المؤرخين، إذ أنّ فِعل الإمام المعصوم (عليه السلام) كقوله حجة بلا فرق من هذه الجهة. أضف الى هذا، أنّ الصحابي الجليل جابراً بن عبدالله الأنصاري (رضوان الله تعالى عليه) كان أول مَن زار الحسين (عليه السلام) في اليوم ذاته من الأنصار، فلم ينهَهُ الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) عنها.


الثاني: سيرة المؤمنين الجارية على زيارته (عليه السلام) في الأربعين، المتصلة بزمن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فلو لم يكن رجوع الإمام زين العابدين (عليه السلام) الى قبر أبيه وأهل بيته وأصحابه صالحاً لأن يكون منطلقاً لتأسيس هذه الزيارة المباركة، لكان الأئمة (عليهم السلام) قد نبّهوا شيعتهم ومحبيهم على عدم جوازها باعتباره وظيفتهم (صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين) وتكليفهم الشرعي، وبما أنهم لم يمنعوا منها ولم يردعوا عنها، فذلك إمضاءٌ لمشروعيتها.


الثالث: 1ـ ويؤيِّد ذلك، بل من عُمدة الأدلة عَدُّ تعظيم شأن هذه الزيارة من قبل الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بأنّه من صفات المؤمنين، ففي الرواية عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: " عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الْخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَ تَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَ الْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". فلو كان ثمة شيء معهود بين الإمام (عليه السلام) وبين المخاطَبين بحيث ينصرف المراد من الكلام اليه عند إطلاقه، كما لو كان هو الأربعين مؤمناً مثلاً لكان الإمام (عليه السلام) ـ وهو في مقام البيان ـ قد بيَّن ذلك، لئلاّ يقع الناس في المحذور ؛ وبما أنّهُ لم يُبيِّن فالمراد هو زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) بل هو المعهود، فالانصراف اليه لا إلى غيره.


2ـ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْجَمَّالِ أنه قَالَ: قَالَ لِي مَوْلَايَ الصَّادِقُ "صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ" فِي زِيَارَةِ الْأَرْبَعِينَ: " تَزُورُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ وَ تَقُولُ: … فلو لم تكن زيارة الأربعين جائزة لكان الإمام (عليه السلام) قد نهى صفوان عنها، ولو بأن يقول له مثلاً: دعك منها واصرف ثمنها على عيالك ومواليك، او على الفقراء والمحتاجين، او على مراكز التعليم.. ونحو ذلك.


3ـ أنّها مصداق واضح لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) فقد ورد عنهم (عليهم السّلام): (أحيوا أمرنا رحم الله مَن أحيا أمرنا) فمن يقُمْ بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في الأربعين يكن مشمولاً بدعاء الإمام (عليه السلام) له بالرحمة والمغفرة، فهل يُمكن أن يدعو الإمام المعصوم لأحدٍ قام بفعل شيء غير جائز؟! مالكم كيف تحكمون!


الرابع: هناك مَن يرى: أنه لو لم يرد أيُّ دليل على استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم الأربعين بالخصوص، فمع ذلك يمكن إثبات استحبابها بالبيان التالي: إنّ هذه الزيارة أخذت عنواناً جديداً ألا وهو أنها تُمثِّلُ أكبرَ تجمُّعٍ مليوني في العالم، وهذا من أكبر العوامل لإظهار قوة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وعزته خصوصاً أنه يجتمع فيه الشيعة من أطراف العالم في هذه البقعة المباركة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه موسم مهمّ للتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى أساس ذلك فتقوية هذه الزيارة هو تقوية للمذهب وتضعيفها تضعيف له، ومن هنا ينبغي الاهتمام الكبير بها، وعدم الإصغاء للأصوات التي تعلو من هنا وهناك، مدعيةً عدمَ مشروعيتها. وهو من أهمّ الأدلة في الباب.
وإذا ما قيل لك: زيارة الأربعين لو كانت ثابتة في الشرع لذكرها القرآن الكريم كما يدّعي ذلك بعض الكذابين والجهلة.


فقل لهم: حسناً، القرآن الكريم فيه تبيان كلّ شيء، ولكن إجمالاً، لا تفصيلاً، فلم يذكرها كما لم يذكر أموراً أخرى كثيرة، وإلاّ فهل أخبركم القرآن الكريم بعدد ركعات الصلوات الخمس؟ وهل أخبركم بمقدار النصاب في الزكاة؟ وهل أخبركم بتفاصيل الصوم؟ وهل أخبركم بتفاصيل الحج؟.. وهكذا غيرها، أم أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تصدّى لبيانها، والأئمةُ من بعده خُلفاؤه يحلّون محلّه في كلّ شيء من هذه الجهة.


وإن قيل لك: إنّ في هذه الزيارة يحصل من التزاحم والاحتكاك ما بين الرجل الأجنبي والمرأة الشيء الكثير، وهذا يكفي لمنعها من الذهاب للزيارة.
فقُل: في مكة أيضاً يحصل مثل هذا الأمر، فينبغي منع النساء من فريضة الحج، على أنّه يُحتمل حصول ذلك وليس بالشيء المقطوع فيه، كما أنه يحصل بالاضطرار لا بالاختيار، ومجرد احتمال وقوعهنّ في المحذور لا يقوى الى مستوى منعهنّ منها، إلاّ إذا كان معتدّاً به عند العقلاء، وهو غير حاصل، بل عام بعد آخر يسير الزائرون بانتظام اكثر ولا سيما قُرب الحرمين الشريفين، وأما داخلهما فالرجال والنساء كلٌّ على حدة.
والمدار على كونها تأمن على نفسها من الوقوع في الحرام فيجوز لها الذهاب الى الزيارة، وإلا فلا.
وإن قيل: الحج له مناسك تختلف عن الزيارة تماماً.
فقل: المحذور واحد في الحجّ والزيارة، وهو حصول التزاحم والاحتكاك الى حدّ المسّ.
ونختم مقالتنا الوجيزة هذه برأي المرجعيّة العليا في هذا الصدد، فقد وُجِّهَ السؤال التالي الى مكتب سماحة السيد السيستاني (حفظه الله) في النجف الأشرف: ينقل البعض بأنّ زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) غير ثابتة فما هو رأي سماحتكم؟
فأجاب عنه: لا يُصغى الى ما يُنقَل بهذا الشأن.
وهو القول الفصل.