المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1983

من يسعى لخراب البصرة ؟

img

حسين فرحان

ثورة الزنج التي قتل فيها من أهل البصرة أكثر من خمسمائة الف إنسان واستمرت لاربعة عشر عاما انتهت على يد الدولة العباسية وجرى المثل على ألسنة الناس: (نصر بعد خراب البصرة).
وقائع تاريخية أخرى كانت البصرة ساحة للقتال فيها فقميص عثمان كان ذريعة للطلقاء في واقعة الجمل التي كانوا فيها جندا للمرأة واتباعا للبهيمة التي عقرت لتندحر هجمتهم خاسئة وهي تواجه سيف علي عليه السلام.
البصرة غرقت.. 
وقد أخبر عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في النهج وشرحه ابن ابي الحديد بقوله: (فأمّا إخباره  عليه السلام أنّ البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بها فقد رأيت من يذكر: أنّ كتب الملاحم تدلّ على أنّ البصرة تهلک بالماء الأسود ينفجر من أرضها فتغرق ويبقى مسجدها، والصحيح أنّ المخبر به قد وقع، فإنّ البصرة غرقت مرّتين، مرّة في أيام القادر بالله، ومرّة في أيام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبقَ منها إلّا مسجدها الجامع بارزاً كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أميرالمؤمنين  عليه السلام، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام، وخربت دورها، وغرق كلّ ما في ضمنها، وهلک كثير من أهلها، وأخبار هذين الغَرَقَين معروفة عند أهل البصرة، يتناقله خلفهم عن سَلَفهم).
البصرة قصفت.. 
فهي قد شهدت حرب الثمان سنوات وتلقت وابل قذائف المدفعية القريبة حتى هجرها بعض اهلها ليسكنوا محافظات أخرى، وكانت المدينة التي تنطلق منها عمليات الحرب وحركة الجيش فتعسكرت مرغمة وأصبحت جبهة للهجوم والصد.
البصرة تصبح منفذا لدخول الجيش في مطلع التسعينات الى الكويت لتكون جبهة جنوبية بعد أن كانت شرقية مرة أخرى وتتلقى قنابل البارجات والطائرات وهي تلقى على الجيش المنسحب وكأن قدرها أن لايفارق سمائها دخان الحروب او دخان احتراق النفط.
اهل البصرة ومنذ ١٥ عاما يعانون من: (سرطان مخلفات قنابل اليورانيوم.. شحة الماء وملوحته.. قذارة المدن.. تهالك البنى التحتية.. صراعات الاحزاب.. المحاصصة.. آثار الحروب) لم تنتفع يوما من موانيء البواخر فيها ولا من آبار النفط ولا من ملتقى النهرين ولا من تمرات نخلها.. فانتفضت بتظاهرات سلمية لعلها تسمع الصم النداء، تظاهرات فلم تجد أذنا صاغية حتى تضامنت معها المرجعية العليا وأيدت مطالبها فانبرت جماهيرها وهي تصطف خلف العقلاء دون المساس بممتلكات الدولة او الاخلال بالامن حتى دعت تنسيقية تظاهرات البصرة الى تنظيمها بما يتلائم وتوجيهات المرجعية الدينية بسلميتها وبرنامجها الهادف ورموزها من مثقفين ورجال دين وشيوخ عشائر وانتظار ما سيتحقق من وعود حكومية مع الحرص على سلمية التظاهر.
هذه هي حال التظاهرات حتى وقع ما حذرت منه المرجعية بدخول المخربين والمندسين واصحاب الاغراض الخاصة.. الذين ركبوا هذه الموجة الغاضبة المطالبة بحقوقها فأحرقت وقتلت وخربت وصنعت الفوضى وأهدت منجزاتها لزعامات داعش وتبنتها في بياناتها على مواقع الرذيلة.
الحكمة كانت حاضرة.. ولم يخلو المشهد من تصرفات عقلائية.. فتنسيقية التظاهرات انسحبت في خطوة منها لسحب البساط من تحت اقدام المخربين.. وهنالك حراك للمجتمع البصري الكريم يدعو للتهدئة.. وفي مثل هذه الظروف يكون من الحكمة وأد الفتنة والتزام الهدوء وعدم انجرار الناس بانفعالاتهم الغاضبة وراءها وفسح المجال أمام الجهات الامنية لكشف حقيقة هؤلاء المخربين، ولكن من هم هؤلاء ؟ إنهم بعنوانهم العام جهات تخريبية ولهم عناوين أخرى خاصة بهم وبتوجهاتهم.. الهدف التخريبي واحد ولكن نتائجه  لصالح جهات متعددة ؟ من هي هذه الجهات التي تقف وراءهم  ؟ سينكشف ذلك قريبا دون شك  فأبناء المرجعية وجندها الذين ضحوا من اجل العراق أكبر وأسمى من أن يكونوا أداة بيد اصحاب الاحقاد الدفينة والمؤامرات، والمدينة التي احتلت المرتبة الأولى في تقديم قرابين الشهادة لن تتركها أيادي زمر الشر المنهزمة في معركة تحرير الوطن دون أن تعكر صفو عيشها بزعزعة الامن وحرق مؤسساتها وإثارة الفتن فيها، وأن الدول التي دعمت مشروع دولة الخرافة لاتريد للبصرة أن تكون آمنة لتقطع بذلك شريان البلد الاقتصادي وتحول العراق الى بلد جائع يرضخ لما تمليه إرادتهم.
قضية البصرة أكبر من قضية تظاهرات مطالبة بالخدمات إنها قضية ثأر وانتقام وأجندات مختلفة وصراعات إقليمية ونزاعات حزبية ومصالح فئوية ضيقة لفئات غافلة أو متغافلة.
وأن كل خراب حل بالبصرة هو من شرور قادمة اليها من وراء الحدود ولم يكن لأهلها يوما دور فيه.. وقى الله بصرتنا العزيزة مدينة الشهداء شرور الفتن وكيد الفجار وطوارق الليل والنهار.