المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 1044

تحديات الحكومة المقبلة

img

عباس الصباغ

لايختلف اثنان في ان الطريق لن يكون معبدا او مفروشا بالزهور امام الكابينة الحكومية المقبلة، وان المهام التي ستناط  بها  ـ والتي من المؤمل تشكيلها بعد استكمال ماراثون المفاوضات التي تجريها الكتل السياسية الفائزة بموجب الحّصص التي افرزتها صناديق الاقتراع ـ  ستكون هي اصعب  تحديات  تواجه اية حكومة شكلت منذ التغيير النيساني ولحد الان، لأسباب عدة منها انها سترث اخفاقات الكابينات السابقة لها وعليها معالجتها بالقدر المستطاع وستواجهها اصعب مهمة  حكومية على الاطلاق لم تواجه  الكابينات السابقة وهي ادارة ملف العراق لما بعد داعش واستحقاقاته الكثيرة والمعقدة كتأهيل المناطق التي كانت محتلة من قبل داعش او كانت حواضن لوجستية له وذلك لغرض عودتها الى الصف الوطني واجتثاث الفكر الداعشي منها وتسوية ملف النازحين او المهجرين واعادة إعمار وبناء المناطق التي تضررت بالعمليات العسكرية ومتابعة هذا الملف مع المنظمات الدولية والاقليمية، وفي حال تشكيلها وطرح برنامجها الحكومي الا انها  لن يكون لديها عصا سحرية تقوم بواسطتها تغيير الواقع العراقي نحو الافضل بين ليلة وضحاها، بل ستحتاج الى وقت ليس بالقصير لحل المعضلات التي ينوء بها المشهد العراقي من جميع نواحيه ومنها مسالة البطالة وتردي  مستوى الخدمات وهشاشة البنى التحتية التي تأتي الكهرباء على راس اولوياتها اضافة الى مسالة شحة المياه واثرها على الزراعة  والتصحر.

 واقتصاديا  ان على الحكومة المقبلة الكثير من الالتزامات، وفي مقدمتها  حلحلة الاشكاليات الاقتصادية وتحويل الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط الى متعدد الموارد،  وتبني مشاريع مهمة للنهوض بالقطاعين الزراعي والصناعي، من اجل تحقيق الامن الغذائي وخلق فرص عمل للعاطلين. وسيكون امام تلك الحكومة تحدٍ كبير سيرسم خارطة طريق البرنامج الحكومي لها ويتمثل بـالتقلب المستمر في اسعار النفط نزولا مما سيؤثر على المناقلات المالية التي تعد بها الحكومة في برنامجها وخططها التنموية كتامين الرواتب لكافة الشرائح ورفع المستوى المعيشي للمواطن العراقي وتنشيط استراتيجية مكافحة الفقر وايجاد حلول مقبولة لمسألة العشوائيات، ناهيك عن استرداد الاموال التي نهبت عن طريق الفساد المالي الذي ضرب اكثر مفاصل الدولة، فضلا عن توفير ارضية مناسبة لتفعيل ملف الاستثمارات الداخلية والخارجية واستقطاب رؤوس الاموال ضمن اقتصاد السوق.    

 وسياسيا فان الكابينات الحكومية الناجحة في الديمقراطيات العريقة تكون ذات حكومة اغلبية سياسية (فائزة في الانتخابات) واقلية معارضة (اشبه بالخاسرة) تُشرف على الاداء الحكومي للأغلبية الفائزة  التي تشكل العمود الفقري للحكومة وفي الحقيقة لايوجد خاسر او رابح  فيها ماداموا سيكونون مراقبين فاعلين ومشاركين بصورة اخرى تصب في الصالح العام فالكل رابحون مادام الاداء الحكومي يسير بشكل تلقائي وعلى الجميع تقبل الامر بروح وطنية، ولنجاح هذه الكابينة يجب تفعيل  هذا المبدأ الاستراتيجي والحيوي وهو عدم دخول جميع الفرقاء  في مضمار الحكومة وترك هامش رقابي  مناسب للآخرين والقبول بان مراقبة النشاط الحكومي  للأغلبية السياسية للكتل السياسية الفائزة لايعني خسارة المستقبل السياسي او انها صارت تحت الهامش، فحكومة الاغلبية الوطنية أصبحت ضرورية خاصة في مواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق في خطوات الاعمار والبناء والنهوض الاقتصادي.

 والتحدي المنتظر الاكبر لهذه الكابينة  هو  حتمية التحرر من  التخندق الطائفي  والصيغة التوافقية والتشاركية،وهي المعايير التي تماسست عليهما العملية السياسية وكانت سبب الاخفاق الذي تلازم معها. سفينة العراق لن ترسو في بر الامان إلا بتشكيل حكومة تكنو قراط قادرة على تلبية متطلبات الجميع وتركز على البرامج وليس الاشخاص، مع عدم تكرار سيناريوهات الماضي الذي حفل  بخمس حكومات تشكلت في الدولة العراقية منذ عام 2003 ولحد الان، وكانت السمة الغالبة التي خضعت اليها مخاضات التشكيل هي المحاصصة السياسية، او ما اصطلح على تسميتها بالتوافقية السياسية، وقد فُصلت هذه المحاصصة على مقاسات ومصالح الكتل والاحزاب السياسية وطغت كليا على كل مرافق ومؤسسات الدولة.

ورغم هذه التحديات الا ان الآمال المعقودة على الكابينة الحكومية المقبلة هي  اقرب للتحقق والتفاؤل بواقع مزدهر اقرب للتمكن ومختلف عن السابق اعتمادا على وعي الناخب العراقي ونضوج اختياراته ويمكن للمراقب للشأن العراقي ان يستشف ذلك من فحاوى البرامج الانتخابية التي طرحت وطبيعة التحالفات السياسية من جهة ومن جهة اخرى  نوعية الكتل السياسية المنضوية في المنافسة الانتخابية، والشارع العراقي مازال يأمل خيرا من الكابينة الحكومية المقبلة التي من المرتجى ان تكون مختلفة عن سابقاتها تماما وان تكون في مستوى التحديات.