المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن رأي صاحبها

مقالات 0 920

الفيلسوف سارتر وجحيم الانتخابات العراقية

img

طارق صاحب الغانمي

(الآخرون هم الجحيم)... هذا ماقاله جان بول سارتر Jean Paul Sartre، الفيلسوف والروائي الفرنسي، رائد الفلسفة الوجودية، وقد تكون هذه الكلمات من أخطر ما قيل حتى يومنا هذا، كاشفاً فيها أنّ علاقاتنا بالآخرين يشوبها دائما الحذر والتوجس والخوف، وبأنها علاقات جهنمية، فإذا كانت العلاقات مع الآخر ملتوية وفاسدة، إذن لن يكون الآخر إلاّ الجحيم.
إنّ الآخرين موجودون في كل مكان وزمان، فإما أن يكونوا هم السبب في سعادتنا ونجاحنا، أو هم الذين يتسببون في شقائنا ودمارنا وتحطيمنا، ويحاصرون خطواتنا نحو المستقبل، إذن فمن هؤلاء الآخرون؟ وما ذلك الجحيم؟! وهل نكون جزءاً من أولئك الآخرين؟ وبالمقابل: هل نستطيع تحويل جحيم الآخرين إلى تلك الجنة المنسجمة مع ذاتنا..؟
ألم يكن بيان المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني بياناً واضحاً حتى يخلصنا فيه من جحيم الآخرين..؟ ألم يكشف أولئك الآخرين ويوضح من هو الفاسد ومن سرق خيرات البلاد..؟ ألم يحاول أن يخرج العراقيين من جحيم الانتخابات إلى جنة الاختيار وتحقيق المكاسب التي ينتفع بها الناخب والمنتخب والبلد.
إنها رسالة عميقة بعثها لنا في توجيهاتها الأخيرة في 4/آيار/ 2018م وهو دليل حتمي على الحقائق التي بدأت تتدفق من تحويل جحيم الآخرين عن طريق استخدام العقل بالتمييز بين الفاسد والنزيه الشريف باختيار الأصلح لقيادة زمام الأمور.
الخطاب هو رد الفعل الأولي الذي يبحث عنه الناخبون، فإذا كان رد فعلك مشابهاً لانفجار الألغام، ستدرك ما تقصده المرجعية الدينية في خطابها، وإنك سوف تتعرف مع ذلك أن بعضاً من أعظم الملذات في حياتك حصلت عليها داخل إطار ذاتك، وإن الخدمة التي قدمها لنا المرجع الأعلى (دام ظله الوارف) في توجيهاته وإرشادته لا تقدر بثمن ولا يمكن أن يقدمها أحدٌ غيره.
فأيها الناخب، لا تصوت لمن سماهم السياسيين "الفاشلين والفاسدين" أولئك الذين يبدو أنهم دائماً يستغلون كل شيء لمصالحهم الفئوية والحزبية، لاسيّما من كان منهم في موقع المسؤولية في الدورات السابقة.
هذه بعض الملاحظات والأدلة الخاصة التي أكد عليها سماحته، تتبعها من المصدر الأصلي من مفهوم "الآخرون هم الجحيم"، فهذا لا يمنعكم من تحمل مسؤوليات التصويت اتجاه التخلص من الفاشلين السابقين المرشحين لمناصب قيادة البلد، ومن الواضح في إشارة المرجعية الدينية "تفادي الوقوع في شباك المخادعين من الفاشلين والفاسدين من المجربين أو غيرهم". وقد فتح السيستاني الباب واسعاً للوجوه الجديده للدخول للمعترك السياسي، عندما قال: لا تنتخبوا من انتخبتوهم سابقاً وكان فاشلاً وفاسداً؟
عليك أن تعمل بجد على انتقاء الصالحين والكفوئين والمحافظين على معايير السلوك الأخلاقية، ولا تتأثر بما يجذبك من دعاية انتخابية مدفوعة الثمن من الآخرين (التدخل الخارجي) "أن يمنع التدخل الخارجي في أمر الانتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره وتشدد العقوبة على ذلك".
أنت تعتبر نفسك أمام مسؤولية كبيرة أمام وطنك، ولا تكن كالسياسي الذي يعتبر موظفاً في الحكومة لكنه مع الأسف مستخدم من قبل أشخاص آخرين يعيثون فساداً في المقدرات المالية والاقتصادية للبلد، وهذا واضح ما قاله (دام ظله الوارف) على ما شهدته المرحلة السابقة: "من الاخفاقات التي رافقت التجارب الانتخابية الماضية من سوء استغلال للسلطة من قبل كثير ممن انتخبوا أو تسنموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة"، داعياً إلى تصحيح هذا المسار وإصلاح مؤسسات الدولة.
إنه بيان ذات مضامين عظيمة في تحسين كل شيء أفسده أولئك الآخرون السياسيون، ولكنها لا تبدو عظيمة لأولئك المنتفعين والمتخمين، ونتيجة لذلك يحاولون إفشال المغزى العام من الخطاب الموجهة للناخب نفسه، وبدأوا في إصدار الحكم الخاص عليها "وما الجديد في ذلك" وهذا يضعف قيمة الناخب ويقلل من فرصة تقديم المزيد من الاصلاحات ذات الرغبة الشديدة في السيطرة على مصيرنا وإيجاد الأشياء التي نرى أنها ستوفر السيطرة على المال العام والثروة المادية والوضع الاقتصادي برمته، وهذا يجعلها سارية المفعول ومقبولة على أهمية تجنب الحكم الاستبدادي في العراق، واعتماد "نظام يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع إلى صناديق الاقتراع في انتخابات دورية ونزيهة".
إن الجحيم ليس تعذيباً بالنار والحجارة، ولكن التعذيب يأتي من الآخرين، الذين يدركون أنه لا يوجد مهرب من هذا المسار الانتخابي الذي يحتاج إلى توفر عدة شروط في المقدمة منها "أن يكون القانون الانتخابي عادلا يرعى حرمة أصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها، ومنها أن تتنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيداً عن الشخصنة والشحن القومي أو الطائفي والمزايدات الإعلامية".

فأيها الناخبون، لا تجعلوا جحيمك بأيديكم، ولا تكونوا أنتم أنفسكم السبب في ذلك، ولأن سمحتوا للآخرين أن يشكلوا حقيقتكم في هذه الأحوال، فيكون لا تحقيق لذاتك في هذا الجحيم معتمداً تماماً على موافقة الآخرين